2026-05-04 - الإثنين
Weather Data Source: het weer vandaag Amman per uur
jo24_banner

حديث الشمل واللقيا

أ.د. عبدالله يوسف الزعبي
جو 24 :
 
بالأمس عند الغروب، على حافة نيسان والنسيان وشفا الذكرى، وخمسين مضين أو شارفن، هناك في سهل الندى إذ يرتشف قبلات القمح، سهل حوران العتيق، مرتع الخير حيث لمة الخلان ووجوه مسفرة التقت بعد بعد الأيام والعقود. ثلة من زملاء الدراسة في الثانوية جاءت اليوم تحمل على اكتافها قصص السنين، افترقت عام 1978 وتفرقت في زوايا الأرض، سعياً في مناكبها وراء رزق وبحثاً عن طموح واحلام ثقال في ركب الميادين. كان اللقاء دافئاً يكتسي الخضراء ودوداً يمتزج بهدوء السماء، وكادت الأسئلة المؤجلة تتطاير في أرجاء الصمت، ومرح من العين يطل، وابتسامات على المحيا كانت تجيب، رغم المشيب وبعض تجاعيد حائرة سفعتها الأيام. كانت الأرواح ذات ذات النشوة تشتهي الحديث عن الضحكات التي يتمسك بها القلب منذئذ، يقلبها من كافة زوايا الرواية، أرواح أتت تتمطى وتفتش عن المقالب في أركان الخاطر، عن الفرفشة التي حاكتها مراهقة عبثية ما زالت تبعث في النفس شوقاً لتلك الخوالي.

كانت دفعة 1978 أول من شغل مبنى مدرسة الرمثا الثانوية في موقعها الحالي عند مدخل المدينة الجنوبي، مثلما كانت أول دفعة تجلس لامتحان التوجيهي ذي الفصلين، كما ضمت عملاقة الكرة الجميلة، محمد عرسان والراحل النبيل وليد الشقران، مثلما حوت مجموعة من أعضاء فرقة الدبكة وفنون التراث والفلكلور، وربما كانت الدفعة التي لم يرسب منها أحد، ذلك أنها تتلمذت على أياد عملاقة وأساتذة كرام، منهم من رحل لملكوت السماء، جميل بيضون وعبد المجيد سمارة وأحمد غرايبة ومحمود وردات وخالد الدردور وأبو غازي كما أحبَ أن نسميه، ومنهم من ندعو له بطول العمر والبقاء، عبدالله النايل وأحمد خويلة ومحمود سمارة ومحمد الطويق وأحمد العواد ومحمد خير ديباجة، وآخرون أجلاء وأفاضل في العطاء . هكذا كان زملاء الصف والصبا، مواقد تشتعل في القلوب وهمم بلا سقوف، طموح جارف ورغبة جامحة للتفوق والظفر والفلاح، وهكذا كان، وهكذا صار.

بالأمس حامت الذكرى ربوع الفؤاد تطوي مسافات السنين على اطراف عقد الحصاد، تتبادل قطوفاً من دالية التجربة وكروم العمل والمراس، قليلاً ما تحدثنا عن الأعمال والثروة التي جمعنا أو الإنجاز والألقاب التي حزنا، إذ أبى الزمن أن يتجاوز ذاك الربيع الذي فيه مكثنا وقطن هو فينا، ربيع العمر والتوجيهي وحوران، ويوم الأرض حين انتفضت ذات آذار على الغزاة، ذات السهول بين السنابل جلسنا نستمع للمذياع يسرد مسيرة الدم، إذ ما زال هناك وفي كل ديار العرب يسفح، وكأنما الأرض تؤرخ لتلك الدفعة وتجعل لها عنوان.

بالأمس عدنا إلى شجن وحنين وأمنيات صدق أن نبقى هناك نبحث عن مأوى للزمان أو مرقد للأيام، نجول في أروقة الشباب ورحاب العمر، نعيد قرأة الحياة ونقلب دفاتر الليل. في ذكرى اللقاء والأمس وعمر قضى ومضى مثل لمح في البصر، مثلما ومضة، مثلما نسمة لينة أزهرت في وجدان قصيدة نشدوها بيتاً بيتاً، مثلما رحلة في الخاطر تجوب نبضات الهوى وحبيبة سكنت المخيال، وأغانٍ للعندليب أو الصغيرة لحنها بليغ بعدما زينها نزار بمداد العشق وأعلنها ثورة حب وغزل. بالأمس أدركت أن تلك الأيام لم تغادرنا قط، بل اختبأت فينا تنتظر بهدوء مثل رواية عتيقة تسدل الستارة عن فصلها الأخير، تكتب كلماتها سطراً سطراً، تسرد قصة الخير الرابض في قاع الفؤاد.

 

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير