2026-05-05 - الثلاثاء
Weather Data Source: het weer vandaag Amman per uur
jo24_banner

الجامعة على سرير النهاية

أ.د. عبدالله يوسف الزعبي
جو 24 :
 
الجامعة حكاية الإنسان حين انطلقت روحه تبحث عن الحقيقة، أشرقت بها قناديل المعرفة في أروقتها الأولى مذ جلس أفلاطون في ظلال أكاديميته، يغرس بذور السؤال في وجدان المشائين تلاميذه. ثم في أقاصي الشرق، كانت مدارس الغورو في الهند تنسج المعرفة كأنها طقوس يتوارثها التلميذ من معلمه، كما القلب يرث نبضه في صمت مهيب يليق بحكمة المكان. جاء بعدها فجر العرب، فارتفعت منارات العلم في الزيتونة، وأشرقت الحكمة من بغداد، تألقت القرويين التي أضاءتها تقوى فاطمة الفهرية، وتجلى النور في الجامع الأزهر حيث امتزج الدين بالفكر، وصار العلم جسراً بين الأرض والسماء. ومن هناك، عبرت الشعلة إلى أوروبا، فانبثقت على كف الطلبة بولونيا العتيقة، ثم تفتحت أكسفورد وكامبريدج حدائقاً للمعرفة، تنمو فيهما الفلسفة والعلوم والآداب كتفاً على كتف كما سمفونية إنسانية أبدية إلى حين. نسجت الجامعة إذاً خيوط الفجر في عتمة الجهل، فكانت القلب النابض للحضارة، تفكك أسرار الكون، تخفق بكل حلم إنساني يسعى إلى الرقي والسلام، تحرس الذاكرة الإنسانية، تحفظ تراث الأمس وتعيد تشكيله بروح اليوم، تمنحه أجنحة تحلق به في سماء الغد، وفيها يضحى العلم قصيدة والبحث رحلة عشق عذري، في ساحاتها تلاقت العقول مثلما الأنهار حين تتعانق على شاطيء البحر، فذابت الفوارق وولدت الأفكار وصيغت الأسئلة الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ.

ومع توالي الأعوام والقرون، أخذت الجامعة تتبدل قي دورها ورسالتها مثلما الفصول، حتى بلغت في القرن العشرين أمداً أكثر اتساعاً وأعظم جرأة؛ فغدت معبداً للمعرفة ومصنعاً للأفكار، محركاً للتغيير ومرآة تعكس قلق الإنسان وآماله. ومع انطفاءات القرن العشرين وبدايات الحادي والعشرين، بدا وكأن روح الجامعة قد خبت وغادرت بعضاً من حدائقها القديمة وبساتينها العريقة، وكأنها لبست ثوباً جديداً أكثر صخباً وأقل جلالاً. لم تعد الجامعة تلك الواحة التي يجلس فيها الفكر متأملاً ذاته، بل صارت ورشة شاسعة فيها يعاد صياغة العقول وتشكيلها لتلائم هوى السلطة ومقاسات السوق والعمل حيث القيمة منفعة توزن بمدى القابلية للتوظيف، لا بعمق السؤال أو اتساع القلق والرؤية. تحول الحلم المعرفي إلى برنامج تدريبي، وغدت القاعات منصات لإعداد المهارات والكفاءات أكثر منها فضاءات لإشعال الدهشة الأولى. وفي ممراتها، أخذت البيروقراطية الجامدة تنمو كظل ممتد؛ ظهرت مفردات باهتة، الاعتماد وضبط الجودة، قواعد البيانات والفهرسة والأطر والتصنيفات العالمية، كأنها طقوس وثنية لإثبات الجدارة، بيرقراطية راحت تثقل كاهل المؤسسة، تكبل خيالها وتحرفها عن مسارها، تستنزف طاقتها في تقارير وأرقام وأوامر يومية وتعليمات، بدل أن تطلقها نحو جرأة الفكر ومغامرة الإبداع. صار الأستاذ تاهئاً بين شغف البحث ومتطلبات النماذج، والطالب حائراً بين فضول المعرفة وقلق المستقبل، وكأن الجامعة تقف اليوم على تخوم مفارقة حادة، بين أن تكون بيتاً للحلم الإنساني أو ذيلاً لسلطة العصا والمال.
اليوم تدخل التكنولوجيا إلى الجامعة عنوة يقودها الذكاء، تعيد ثانية تشكيل المكان والزمان، تبدل قاعة الدرس من ساحة يصاغ فيها الفكر إلى شاشة تطل على عوالم مفتوحة بلا نهاية، يتداخل فيها الواقعي بالافتراضي عبر فضاء جديد، وتتحول المعرفة من نصوص متدفقة إلى حركة تعج باللون والصورة. اليوم، يقتحم الذكاء الاصطناعي بسحره جدار الحياة ويخترق عوالم الإنسان، ينافس خياله ويغزو خصوصيته، ويغرق الجامعة بالخوارزميات، يكتب الشيفرات والكود كما حائك ينسج سجاداً أعجمياً زاهي النقش والطرز، ينظم الشعر على إيقاع الموج، ويصمم التطبيقات مثلما مهندس يروي حكاية الإلكترون والكوانتم وقوى النواة والجاذبية. اليوم، يجدد الذكاء الاصطناعي رسم خريطة الوعي، يعيد صياغة الأستاذ ودوره من حارس للمعرفة إلى دليل في زحمة الأداة والمعلومة، يجهد هو نفسة أن يميز بين الضوء والوهج، بين الحقيقة والضجيج، ويمنح بعض أمره للطالب الذي أضحى مشاركاً في إنتاج المعرفة، يكتب ويحلل ويبتكر في بيئة رقمية تتجاوز حدود الصف والجامعة والرسالة ذاتها.

تقف الجامعة اليوم أمام نفسها المتآكلة، تطرح السؤال حول حكمة القرون وسرعة اللحظة، تعيش تجربة الذاكرة وفوضى التحدي مع رهبة الإبداع. تحاول الجامعة أن تتجاوز العناد وتعيد تعريف دورها في بناء الإنسان لا مجرد تأهيله وتدريبه، تستمد القوة من الذكاء لا خصامه، تبحث عن جوهرها القديم الذي ينفث في الكلمة روحاً، ويصنع من الفكرة حياة. تقف الجامعة اليوم على حافة القصيد وتكتب بعض أبياتها من جديد، تغادر سرير النهاية إلى رحاب الذات حيث المعنى الحقيقي يتعلق في جوهر الإنسان؛ هناك حيث لا خوارزميات تحرره من عبء التفاصيل أو إشارات رقمية تغوض به الخفاء، وحيث الصراع الهادئ بين قرصة الألم ورعشة الفرح حيث يتحدد مصير الجامعة بين إنطفاء الذكرى أو تجدد الفكرة والرسالة.
 

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير