المقاطعة كمكارم الأخلاق.. لا تتجزأ

د. رشيد عبّاس

الاخلاق لها مكارم كما اخبرنا رسول الله (ص), حيث قال (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق), وان أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً, وان مكارم الأخلاق تحتل أكبر مساحة من الدين، بل إن الدين كله خلق، فإذا انتفى الخلق ذهب الدين، وان الخلق مقياس الإيمان عند الإنسان, فإذا أردت مقياساً لإيمانك فهو خلقك، وحينما تمثَّل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام بالأخلاق الفاضلة رفرفت راياتهم في المشرقين، وحينما فهِم المسلمون الدين صوماً، وصلاةً، وحجاً، وزكاةً ليس غير، تراجعوا وغُزوا في عقر دارهم.

اكبر تناقض على وجه هذه الارض ان يكون هناك انسان (صادقا) في مكان ما في لحظة معينة, ثم يكون نفس هذا الشخص (كاذبا) في موقع آخر في زمن آخر, ثم ان يكون هناك انسان (امينا) في مكان ما في لحظة معينة, ثم يكون نفس هذا الشخص (خائنا) في موقع آخر في زمن آخر, او ان يكون هناك انسان (مؤمنا) في مكان ما في لحظة معينة, ثم يكون نفس هذا الشخص (كافرا) في موقع آخر في زمن آخر, كذلك ان يكون هناك انسان (ينهى عن منكر) في مكان ما في لحظة معينة, ثم ان نفس هذا الشخص (يأتي بمثله) في موقع آخر في زمن آخر,...نقول لكل هؤلاء ان مكارم الأخلاق التي قصدها رسوانا (ص) لا تتجزأ, نعم لا تتجزأ. 

كثير من الجهات في عالمنا العربي تدعوا الى مقاطعة (بعض السلع) المنتجة من قبل اعداء الامة في الشرق والغرب, وهذا شيء جيد, لكن الشيء غير الجيد والغريب والذي احدث التناقض الاعظم في دعواتهم هذه انهم احدثوا تجزئه في الاطار العام للمقاطعة, فهؤلاء للأسف الشديد يقاطعون شيء ويستخدمون اشياء اخرى كثير, اليس هذا تناقض؟ اليس هذا نفاق؟ اليس هذا خداع؟ ثم الاهم من كل ذلك, كيف نفسر هذا التناقض والنفاق والخداع؟

السيارات الفاخرة التي نركبها من انتاج او تمويل الاعداء, وموديلات اللباس الذي نرتديه من انتاج او تمويل الاعداء, والاجهزة الخلوية التي ألهتنا عن الاخرة من انتاج او تمويل الاعداء, والاجهزة الكهربائية من انتاج او تمويل الاعداء, والعلاجات والادوية الفعالة هي من انتاج او تمويل الأعداء, ...مفهوم المقاطعة يا اولي الالباب ينبغي ان يكون اوسع من دائرة بعض المأكولات والمشروبات البسيطة هنا وهناك, والسؤال الكبير هنا اذا اخذنا بنظرية المقاطعة بمفهومها الشامل(المقاطعة الاقتصاديّة, والمقاطعة السياسية, والمقاطعة الثقافيّة والأكاديميّة والطبية, والمقاطعة النقابية, والمقاطعة الرياضية, والمقاطعة الفنيّة, ومقاطعات السياحة والسفر والعمل, وغيرها من المقاطعات..), فهل نحن حمل ذلك؟ واين ستصفي بنا الامور اذا قاطعنا كل ذلك؟ في الوقت الذي فيه الامة سكارى وما هي بسكارى, واعداءنا يمتلكون التمويل والانتاج في هذا العالم الذي نعيش فيه. 

بقي ان نقول علينا ان نقاطع فعلا (الناس) و(الحجارة) التي ستكون وقودا للنار.
تابعو الأردن 24 على