jo24_banner

تصريحات حكومة النهضة واللعب على الحبال

د. محمد أبو غزلة
جو 24 :


ننام ونصحو على وقع تكرار التصريحات والبيانات المتناقضة والغامضة منذ تولى حكومة النهضة زمام الأمور، لتعكس صورة هشّة لمشهد سياسي ومالي وإداري وتخبط في إدارة الأزمات والتي ما زالت مستمرة وتتمثل في تأزيم الوضع مع نقابة المعلمين، واتخاذ قرارات تصب في صالح الجهات الخاصة المستفيدة والتي حولت الوطن لشركة خاصة يجنون من ورائها الملايين بدلا من تبنيها نهج الحكمة في التعاطي مع هذه الازمة، وعدم تجاهل الحقائق والاستحقاقات وتطلعات الشعب وتوحده في محاربة الفاسدين، وتحاول القفز على السيادة الوطنية والارتماء بين أحضان البنك الدولي وصندوقه. هذا البنك الذي أنهك الشعب الأردني بوصفاته التي تسوّق لها الحكومة من خلال التصريحات الرنانة التي تصب في تخويف الشعب على الوطن ومستقبله فيما لو لم يستجب لهذا المنقذ الذي يتفننون بالترويج له، ويخرج علينا دولة الرئيس ونائبه تارة ووزراء المالية والاعلام والمستكتبون لإيصال الرسائل المرعبة عن الوضع المالي الصعب إلا أنهم يقعون في شر أعمالهم من خلال تناقض التصريحات في الانجاز وتجاوز التحديات تارة، وفي اللعب على الحبال تارة اخرى لغايات النوم بأحضان البنك الدولي وصندوقه باعتباره الوصي على المستوى العالمي على الحفاظ على التوازنات المالية الداخلية والخارجية على البلدان التي تمر بأزمات مالية كما هو الحال لدينا، ودون الإفصاح عن قيم القروض التي ستذهب إلى جهات غير معروفة، وعلى الحكومة النظر الى النقابة كبعثة دولية تسعى جاهده لإرضها ولو بالاعتذار والمصارحة، والعدالة والمساواة ولو حتى بالوعود.

نعم غادرت بعثة صندوق النقد الدولي في أوج الأزمة التي تعيشها البلاد بسبب اضراب المعلمين وقلة حيلة الحكومة وفشلها بالتعامل معها بشكل أدخلنا في فصل قانوني جديد نحتاج بموجبه لفتح السجون على مصراعيها أو ربما تحويل المدارس إلى سجون للمعلمين وكافة أطياف المجتمع المساندين لهم، غادرت البعثة مبدية العديد من الملاحظات على أداء المالية العامة، بخاصة المتعلقة بعدم دقة تقديرات المؤشرات المالية للموازنة، وعدم تطابق التوقعات مع الواقع، والتراجع الكبير رغم الاجراءات التي قامت بها الحكومة، خاصة بعد إقرار قانون ضريبة الدخل الجديد وإلغاء الدعم المقدم للخبز وزيادة ضريبة المبيعات على شريحة واسعة من السلع، إضافة إلى تراجع الإيرادات المتحققة خلال الفترة الماضية من هذا العام على الرغم من خواتم الذهب التي ألبسونا إيها، ما دفع بالبعثة الطلب بإجراءات صعبة وعاجلة لإنقاذ الوضع الاقتصادي خلال الفترة المقبلة، والمحلل لهذه الملاحظات يجد أن البعثة بصفتها الوصية تؤكد على فشل السياسات الحكومية، وتهدف إلى اخذ المزيد من السياسات التي تعمل على تدمير وانهاك الشعب، وقد يكون إلغاء الدعم الحكومي للمياه، وفرض ضرائب على الهواء الذي نتفسه والذي سيكون اخر الحلول لدى الحكومة وهذ ما هو متوقع من حكومة مرتهنة لصندق النقد الدولي، والغريب بالأمر أن النهج الحكومي واعلامه الرسمي يمارس والمسخرين من بعض الاعلاميين اللعب على الحبال للحفاظ على الكراسي وهذا ما تثبته التصريحات والبيانات المتناقضة والمغالطات التي وصفت أن المؤشرات المالية والاقتصادية سلبية إلا أنها ايجابية دون تقديم توضيحات بشأنها وبعلاقتها بتردي الأوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية أو بيان تفسير علمي لها مع أن هناك عدة تفسيرات لذلك، ولكن لأنهم يتقنون فن اللعب على الحبال فهم يمعنون في استهبال الشعب من خلال التضليل والضبابية والهروب الى الأمام في عدم الإعلان عن ما ورد في تقرير البعثة حتى يتمكنوا من القضاء على من تبقى من الوطن وتفقير الشعب وتدمير منظومة القيم الوطنية جراء هذه السياسات.

لقد جاءت أزمة المعلمين لتؤكّد بديهيّة لا غُبار عليها وهي أنّ المجتمع الأردني الحالي يجني ثمار سياسات حكومية متعاقبة أسقطت من اعتباراتها أهميّة التعليم في إعادة في بناء النموذج الحضاري للدولة الذي كان متميزا في محيطه العربي وحتى الدولي، وبدأ واضحا وجليا في التعاطي مع أزمة المعلمين ومع ما تمارسه من سلوكات تحط من قيمة المعلم ومكانته، وتحط من أهمّية التعليم والمنظومة التعليمية عموما متذرعة باسباب غير صحيحة، والجميع يعرف أن العجز ليس عجزا ماليا كما تدعي في حين أن ما تمارسه هو لأسباب لم تعد خافية على أحد، ولكن العجز هو إرادي وإداري أيضا وإن ما تعرض له التعليم في السنوات الأخيرة بجميع مستوياته من نهج مخطط له يهدف لإضعاف دوره في القيام بدوره التثقيفي والتربوي والتنويري، والمتتبع للمشهد يدرك حجم فشل السياسات وعمليات التجييش التي انتهجت لتحقيق ذلك، وأنها لم تفلح في كبح جماح التثقيف والتأييد الشعبي المتعاظم للمعلم، وكان على الحكومة أن تتمتع بالحكمة وتستثمر هذه الفرصة لتصحيح المسار وإزالة التشوهات، والتخلص المؤسسات الخاصة المتغولة عليها لا أن تلجأ للتجييش والحلول الأحادية والقضائية لتدخل الوطن في دوامة جديد تؤثر على نسيجه الاجتماعي.

ومن هنا اخاطب الحكومة بضرورة الاهتمام في إصلاح التعليم حتى يتم اصلاح الساسة المتغولين على الوطن، وبغير ذلك فإن انهيار المنظومة التعليمية ستمهد لاندثار أجيال قادرة على إدارة الدولة وطغيان موجات الحقد والكراهية والتطرف وانتشار الفساد والتطرّف، ومأسسة جيل من الساسة الذين يتمتعون بسلوكيات قُطّاع الطرق، وإن ما نعيشه اليوم من تسونامي في أزمة المعلمين سببه تهميش المنظومة التعليمية والقائمين عليها، والحلّ هو في ردّ الاعتبار للمعلم كخيار استراتيجي لبناء الدولة لا هدمها، وعليها أن تتخلى عن سياسة تكميم الأفواه وكسر العظام والأنوف التي تمارسها مع المعلمين وغيرهم عبر الاجراءات التعسفية التي تمارسها والبحث عن ملاذ آمن يحفظ للجميع حقوقهم وللدولة هيبتها.

وهنا أناشد الجميع الحكومة والنقابة لا أحد يعرف ما ذا سيحل بنا اذا استمر هذا التصعيد ومن الطرفين والذي قد يصل بالجميع إلى مرحلة لن تكون أبداً كما كانت عليه قبل الاضراب، ولا أحد رابح لو استمر الحال على ما هو عليه، ورغم وجود قرار قضائي فالحكمة تقتضي من الحكومة والنقابة الاستمرار في الحوار وطرح مبادرة توافقية حتى يتكمن الطلبة من عودتهم إلى المدارس، وللحكومة أقول عليها ومن منطلق ولايتها العامة إن وجدت التعامل مع قضايا الوطن بعدالة والكف عن اللعب على الحبال خاصة بعد فشل كل هذه المحالات في اللعب مع الشعب والسلطة التشريعيه بشقيها، والاحزاب والتيارات الدينية ومع الاعلام ومع القطاعات التجارية والصناعية ومع المستثمرين وترهات جلب ومحاكمة الفاسدين الذين يعيثون في الارض فسادا ويسلبون حقوق الآخرين المالية والوظيفية وجميع مقدارت الوطن، ونقول لهم جميعا إن في الأردن ما يستحق الجلوس وفتح الحوار عليه والدفاع عنه ويستحق الحياة لأجله.

 
تابعو الأردن 24 على google news