2026-01-12 - الإثنين
Weather Data Source: het weer vandaag Amman per uur
jo24_banner
jo24_banner

فنزويلا واستنزاف القوة الأمريكية

زياد ابحيص
جو 24 :
 
رغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالغ كثيراً في التوظيف الاستعراضي لعملية الاختطاف السريع للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، إلا أن تطورات اليومين الماضيين تقول بأن ما بدأ كنجاح تكتيكي أمريكي في طريقه للتحول إلى مأزق استراتيجي، وأن فنزويلا قد قطعت شوطاً في استجماع صفها الداخلي تمهيداً للتحدي والتحول إلى نقطة استنزاف جديدة للقوة الأمريكية.

لقد حاولت مخططو عملية اختطاف مادورو أن يبدوا وكأنهم قد تعلموا الدرس من التجارب الفاشلة لحروب تغيير الأنظمة في العراق وأفغانستان، إذ كان المخرج المتوهم من تكرار هذه التجارب هو اللجوء إلى عملية جراحية تختطف رأس النظام وتعول على انهيار ما تبقى، أو إذعان نظامه للشروط الأمريكية بالذات فيما يتعلق بقطاع النفط والثروات المعدنية.

غير أن النظام السياسي الفنزويلي تكيف بشكلٍ مختلف عن الحسابات الأمريكية حتى الآن، فبحلول الثالثة عصراً بالتوقيت المحلي، أي بعد 13 ساعة من الاختطاف الأمريكي لمادورو، أعلنت المحكمة الدستورية في فنزويلا الغياب المؤقت للرئيس، وتكليف نائبته ديلسي رودريغيز بتولي مهامه الدستورية لحين عودته، لتتجنب الدخول في حالة من فراغ الشرعية أو الذهاب لانتخابات في مثل هذه اللحظة.

بعد ساعات قليلة من إعلان ترامب أن بلاده ستدير فنزويلا في الفترة القادمة، وأن "الواقفين خلفه" من أركان حكومته هم من سيتولون إدارة شؤون فنزويلا، ألقت رودريغيز خطابها الأول بصفتها الرئيسة المؤقتة من قصر "ميرافلوريس" الرئاسي في كاراكاس بحضور "مجلس الدفاع الفنزويلي" وبحضور كل من رئيسة المحكمة الدستورية، ووزير الدفاع، ووزير الداخلية، ووزير الخارجية، ما يعني استجماعها للسلطات الدستورية في بلادها.

طالبت رودريغيز بالإفراج الفوري عن الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، مؤكدة بأن "الرئيس مادورو هو الرئيس الوحيد لفنزويلا"، وأن ما حصل كان "عدواناً أمريكياً تحت مزاعم كاذبة" وأنه كان "عدواناً لتغيير النظام السياسي" لفنزويلا و"يستهدف بالأساس السيطرة على الموارد الطبيعية" لبلادها، مؤكدة أن بلادها "لن تكون مستعمرة لأحد".

خلال كلمتها، وضعت رودريغيز الخط السياسي العام لفنزويلا في مواجهة العدوان: إعلان الجهوزية الكاملة للجيش والقوى الأمنية، ولقوات الدفاع الشعبي الفنزويلية التي هي تنظيم مقاومة شعبي يضم مئات الآلاف تأسس لمثل هذه الأوقات، كما دعت دول أمريكا الجنوبية للاجتماع ودعم موقف بلادها ودعت حلفاءها في روسيا والصين لتأييد موقفها، ودعت دول العالم لإدانة العدوان على فنزويلا، وأعلنت أن فنزويلا ستدافع عن مواردها وثرواتها، وأكدت تفعيل إعلان الطوارئ الذي أعلنه مادورو قبل اختطافه.

هذه التطورات بدأت ترسم الملامح العامة لمشهد يمكن تلخيصه بالآتي:

أولاً: نجحت الولايات المتحدة في تنفيذ اختطاف سريع للرئيس مادورو لكن ذلك لم يؤدِّ إلى انهيار النظام أو خضوعه، ولم يؤدِّ إلى فراغٍ دستوري أو فوضى تسمح بفرض خيارات خارجية عليه. ورغم كل ما قيل ويقال عن ضعف إدارة مادورو فإن النظام السياسي تماسك، وأتم عملية الانتقال خلال ساعات، ووقفت السلطات القضائية والأمنية والعسكرية خلف رودريغيز كرئيسة مؤقتة، ما يعني أن الدرس من أفغانستان والعراق لم يُتعلم كما ظن مخططو الهجوم الأمريكان، وأن الضربة الجراحية لم تنجح في إسقاط النظام من الأساس، فضلاً عن أن تفتح الباب لفرض البدائل.

ثانياً: الخطوط العامة للسياسة التي رسمتها الرئيسة الانتقالية تقول بأن فنزويلا ستعول على تحويل اختطاف مادورو إلى أزمة سياسية وقانونية تشكل عبئاً على الولايات المتحدة من خلال المطالبة باستعادته باعتباره رئيساً يتمتع بالحصانة، وبأنها ستعبئ القوى العسكرية والمليشيات الشعبية بما يجعل محاولة الغزو البري لفنزويلا مكلفة جداً للجيش الأمريكي، كما أنها تشمل دعوة اتحاد العاملين في القطاع النفطي للاستعداد لتعطيله وشل عمله في حال حاولت الولايات المتحدة السيطرة عليه؛ باختصار هي ستعتمد مبدأ الدفاع السلبي الذي يرفع ثمن مواصلة العدوان ويمنع الولايات المتحدة من تحقيق هدفها، مع تحرك سياسي وقانوني عالمي.

ثالثاً: خيارات الولايات المتحدة إذا ما ترسخ هذا الموقف لن تكون سهلة:

فهي إما أن تذهب للغزو البري لتفرض التراجع؛ وفي هذه الحالة تغامر في السقوط في مستنقع ربما يكون أصعب وأعلى كلفة من كل سابقاته، مع ما يختزنه الشعب الفنزويلي من عداء للولايات المتحدة واعتزاز بإرثه كبلد ناشئ عن الثورة البوليفارية بالأساس...

وإما أن تواصل نشر أسطولها وفرض الحصار البري والجوي غير الشرعي الذي سبق أن فُرض على مادورو لأربعة أشهر ولم يحقق هدفه، وهو ما اضطرها في النهاية لتحريك الموقف بعملية اختطافه...

وإما أن تتراجع وترفع الحصار عن فنزويلا وهو ما سيحقق عكس هدف استعراض القوة، حتى وإن بقي مادورو في سجونها.

في المحصلة، المشهد الذي بدأ يتوضح يؤشر إلى أن الولايات المتحدة، التي يفترض أنها تحاول التفرغ لاحتواء الصين منذ 2009، قد أضافت نقطة جديدة لاستنزاف القوة والموارد إلى جانب أوكرانيا، وشراكتها في حروب الصهاينة في المشرق العربي، لتصبح منشغلة في ثلاثة نقاط لم تكن موجودة بهذه الحدة قبل 2022، وهو ما سيُعجّل بالمخططات الصينية لاستعادة تايوان وفرض الهيمنة على شرق آسيا باعتباره إقليمها، وهو تطور يمهد لتجاوز الصين للولايات المتحدة، ولتحولها من القطب الثاني إلى القطب الأول عالمياً، وهو الخطر الأكبر الذي كان يُفترض على السياسة الأمريكية أن تعمل على تجنبه.

هذا سينعكس على منطقتنا وعلى المقاومة تحديداً بشكل إيجابي يخفف الضغوط ويوسع الشقوق في الجبهة المقابلة ما دام صراع الأقطاب الكبرى قائماً، وما دام الاستنزاف والتشتيت الأمريكي يزداد، في عامٍ يتوقع أن يكون من أصعب الأعوام عليها، وهي تحاول الصمود لرفض التصفية بعد حرب الإبادة، واستعادة التماسك وتجديد الإرادة بجميع أشكال المقاومة الممكنة وعلى مختلف الجبهات، في وقت كانت الجبهة الصهيونية –الأمريكية-الأوروبية تسعى لمحوها ولتصفية قضية فلسطين بشراكة بعض النظام الرسمي العربي.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير