jo24_banner
jo24_banner

الإدمان وجريمة الغائب

خلود العجارمه
جو 24 :
 عندما تقع جريمة ما يتجه الاتهام مباشرة إلى الجاني وكأن الحكاية تنتهي عند لحظة التنفيذ دون الالتفات إلى ما سبقها من صمت وتغاضٍ وتراكم أخطاء صنعت هذه اللحظة بكل تفاصيلها
فالحقيقة التي لا يُراد قولها أن الجريمة لا تولد فجأة بل تنشأ في بيئة سمحت لها أن تكبر ووفّرت لها الغطاء وغضّت الطرف عن أسبابها حتى خرجت إلى العلن بثمن باهظ
كيف لبلد لطالما قُدِّم على أنه بلد الأمن والأمان أن تتحول فيه المخدرات إلى خبر يومي وأن يصبح الإدمان واقعًا مألوفًا لا يثير الدهشة ولا يستدعي المحاسبة وكأن ما يحدث قدر لا يمكن تغييره
قضية الإدمان لم تعد حالة فردية ولا أزمة صحية عابرة بل أصبحت ملفًا وطنيًا سياسيًا بامتياز لأن استمرارها يعني خللًا في القرار وارتباكًا في الرقابة وفشلًا في الردع
لقد بُنيت المشافي وافتُتحت مراكز العلاج فتم علاج الضحايا وتُرك الجناة وعولجت النتائج وتجاهلت الدولة الأسباب وكأن معالجة الألم تكفي دون اجتثاث المرض
لم نطرح السؤال الأخطر من أدخل هذا السم القاتل ومن سهّل عبوره ومن وفّر الحماية ومن قرر أن تكون العدالة انتقائية تُطبَّق على الضعفاء وتُعطَّل عند أصحاب النفوذ
إلى متى يُقدَّم المدمن كالمتهم الوحيد بينما يختفي التاجر خلف الستار وإلى متى يُحاسَب من سقط وتُحمى الأيدي التي دفعته للسقوط وكأن القانون يُفصَّل حسب القوة لا حسب الحق
الإدمان لا يدمّر الفرد وحده بل يهدم الأسرة ويفكك المجتمع ويحوّل البيوت إلى مساحات خوف دائم وإن لم يقتل الإنسان جسدًا فإنه يقتله معنويًا ويحوّله إلى خطر على من حوله
هذا السم لا ينتشر صدفة بل عبر شبكات معروفة ومنافذ معروفة وأسماء يعرفها الجميع لكن لا أحد يجرؤ على تسميتها لأن الصمت هنا أصبح سياسة لا خطأ
وهنا تصبح المسؤولية سياسية قبل أن تكون اجتماعية لأن التغاضي قرار والصمت شراكة والتأجيل مشاركة مباشرة في الجريمة
الإدمان اليوم تهديد حقيقي للأمن الوطني لأنه يصنع إنسانًا مكسورًا سهل الاستغلال وسهل الانزلاق وسهل التحول إلى أداة للجريمة في أي لحظة
السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح ليس كم مدمنًا عالجنا ولا كم مركزًا افتتحنا بل كم تاجرًا حاسبنا وكم غطاءً كشفنا وكم يدًا فاسدة أوقفناها قبل أن تمتد إلى جسد الوطن
الأمن لا يُقاس بعدد المشافي ولا بعدد البيانات بل بقدرتنا على حماية الإنسان قبل أن يسقط لا بعد أن يصبح رقمًا في سجل الجرائم
الإدمان جريمة بحق الوطن والتستر عليه خيانة والصمت عنه شراكة وأي تأخير في تسمية القاتل الحقيقي هو
إهدار متعمّد لما تبقى من الأمان
 

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير