حين نستغرب من عالم الشياطين ونحن ما زلنا نفاوض أوهام السلام
خلود العجارمه
جو 24 :
لماذا كل هذا الاستغراب مما يحدث في عالم الشياطين وكأننا لم نعرف يومًا أن الشر حين يُمنح منبرًا يتحول إلى خطاب وحين يُمنح لغة ناعمة يتحول إلى مشروع وحين يُمنح وقتًا إضافيًا يتحول إلى قدر مفروض لا يُجادل فيه
نستغرب لأن عقولنا ما زالت تميل إلى تصديق الصورة الأجمل حتى لو كانت كاذبة ولأننا نفضّل الحكاية التي تخفف عنا ثقل المواجهة فنقنع أنفسنا أن عدو الله قد يتبدل وأن القاتل قد يلين إذا ما أتقن لغة السلام ووقف تحت أضواء الكاميرات مبتسمًا
في عالم الشياطين لا مكان للمفاجآت فكل شيء محسوب وكل جريمة تُسبق بخطاب وكل مجزرة يُمهَّد لها بسردية إنسانية تجعل الدم يبدو تفصيلًا ثانويًا يمكن تجاوزه أو تبريره أو تأجيل الغضب حياله
طائر السلام الذي يفرد جناحيه على جراح أوطاننا لا يفعل ذلك بدافع الرحمة بل بدافع السيطرة فهو يعرف أن الجرح المكشوف يثير الأسئلة أما الجرح المغطى بالشعارات فيمنح الوقت الكافي لاستكمال النزيف دون ضجيج
نستغرب لأننا سمحنا للجلاد أن يتحدث باسم الضحية وللمحتل أن يشرح معاناته وللقاتل أن يكتب بيان الشفقة بينما اكتفينا نحن بدور الشاهد المتردد الذي يرى كل شيء بوضوح لكنه يختار لغة رمادية تريحه من ثقل الانحياز
ما يحدث اليوم ليس لحظة انفلات مفاجئ للشر بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من تطبيع القبح وتحويل المأساة إلى مادة تحليل باردة وتعليم الوعي الجمعي أن الصدمة المؤقتة كافية وأن الغضب الدائم عبء غير ضروري
نستغرب لأننا فصلنا بين الإيمان والفعل فآمنا بأن الشيطان عدو ثم قبلنا أن نفاوضه وأن نصدّق روايته وأن ننتظر منه حدودًا أخلاقية لم يعد بها يومًا ولم يلتزم بها في أي فصل من فصول التاريخ
الأوطان لا تنزف فجأة بل تُستنزف حين يُطلب منها الصمت أكثر مما يُطلب من جلادها التوقف وحين يُلام وجعها على صراخه وحين يتحول دمها إلى رقم يمكن تمريره في نشرات الأخبار دون أن يهز شيئًا في الضمير
الاستغراب لم يعد علامة وعي بل صار قناعًا جديدًا نخبئ خلفه عجزنا عن اتخاذ موقف واضح فنندهش علنًا كي لا نعترف سرًا أننا كنا نعرف كل شيء لكننا اخترنا السلامة على حساب الحقيقة
وفي خضم هذا الضجيج كله وسط عالم يتقن تزيين الشر وتجميل الجريمة وتسويق الظلم بلغة السلام تبقى حقيقة واحدة لا تقبل المساومة ولا إعادة الصياغة أن الإسلام لم يكن يومًا دين تبرير ولا غطاء للصمت ولا مساحة رمادية بين الحق والباطل
الإسلام هو الحقيقة التي لا تحتاج إلى تلميع لأنه سمّى الأشياء بأسمائها منذ البداية فسمّى الظلم ظلمًا ولو جاء متشحًا بالخطاب الإنساني وسمّى العدوان عدوانًا ولو رُفع فوقه ألف شعار سلام وجعل الوقوف مع الحق عبادة لا خيارًا موسميًا
الإسلام لم يعدنا بعالم بلا صراع لكنه وعدنا بميزان واضح نعرف به أين نقف ومتى نغضب ومتى نصمت ومتى يكون الصمت خيانة لا حكمة
في زمن اختلطت فيه الوجوه وتبدلت فيه المسميات وبحث الناس عن خلاص سريع يعيد الإسلام الإنسان إلى بوصلته الأولى إلى فطرته إلى يقينه بأن الشيطان لا يُهزم بالتفاهم معه ولا بتجميل صورته بل بكشفه ورفض منطقه وعدم منحه شرعية الظهور كطائر سلام
التمسك بالإسلام اليوم ليس هروبًا إلى الماضي ولا انسحابًا من الواقع بل مواجهة صريحة تمنعنا من السقوط في وهم الحياد وتحررنا من الاستغراب العقيم وتعيد تعريف الشجاعة على أنها وضوح والإيمان على أنه موقف
وحين نعود إلى الإسلام كما هو لا كما نريده أن يكون دينًا يوقظ الضمائر ولا يخدرها ويقيم العدل ولا يبرر الظلم ويحرر الإنسان من الخوف ندرك أخيرًا أن الحقيقة لم تغب يومًا لكننا نحن من ابتعد عنها
ففي عالم الشياطين لا نجاة إلا بالحق ولا حق أوضح من الإسلام ولا طريق أصلب من التمسك به قولًا ووعيًا
وموقفًا








