الحرب على إيران: هل يفرض توازن الرعب سقفا للتصعيد؟
اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني
جو 24 :
تتصاعد وللأسبوع الثالث حدة المواجهة بين امريكا ودولة الكيان من جهة وإيران من جهة أخرى، وسط ضربات عسكرية ورسائل تهديد متبادلة توحي بأن المنطقة تقف على حافة انفجار كبير. ومع ذلك، ورغم اللغة والبيانات التصعيدية والعمليات العسكرية المتبادلة، لا يزال احتمال تحول هذه الحرب إلى حرب شاملة أمراً غير مرجح في المدى المنظور. فالمعادلة التي تحكم الصراع اليوم ليست توازن القوة بقدر ما هي توازن الرعب وكلفة التصعيد.
صحيح أن التفوق العسكري التقليدي يميل بوضوح لصالح امريكا وحليفتها إسرائيل، سواء من حيث القدرات الجوية أو التكنولوجيا العسكرية أو حجم المخزون العسكري الاستراتيجي أو التفوق الاستخباراتي. غير أن حروب القرن الحادي والعشرين لم تعد تُحسم دائماً بميزان القوة التقليدية وحده، بل بقدرة الطرف الأضعف على رفع كلفة الحرب إلى مستوى يجعل النصر العسكري ذاته فاقداً لقيمته الاستراتيجية. وقد أدركت إيران هذه الحقيقة منذ سنوات، فبنت استراتيجيتها الدفاعية على مبدأ الردع غير المتماثل. فبدلاً من الدخول في سباق تسلح تقليدي مع واشنطن أو تل أبيب، طورت منظومة ردع متعددة الأبعاد تشمل الصواريخ بعيدة المدى، والقدرات البحرية غير التقليدية، والحرب السيبرانية، إضافة إلى شبكة واسعة من الحلفاء الإقليميين القادرين على توسيع نطاق الصراع جغرافياً إذا ما اندلعت حرب شاملة.
هذا الواقع يجعل أي حرب مفتوحة محفوفة بمخاطر استراتيجية كبيرة. فالتصعيد قد يؤدي إلى استهداف القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، أو توسيع دائرة الحرب لتشمل أكثر من جبهة، أو تعريض الممرات الحيوية للطاقة والتجارة الدولية لاضطرابات حادة، وهو ما قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى حالة من عدم الاستقرار يصعب احتواؤها.
وفي هذا السياق، تبرز طبيعة الهشاشة المتبادلة للبنية التحتية الحديثة كعامل ردع إضافي في الحروب المعاصرة. فالعالم اليوم يقوم على شبكات معقدة من الطاقة والاتصالات والأنظمة المالية الرقمية، وهي شبكات مترابطة إلى درجة تجعل ضربها أو تعطيلها – سواء عبر هجمات سيبرانية أو عمليات تخريب محدودة – قادراً على إحداث صدمات اقتصادية واسعة تتجاوز حدود ساحة المعركة نفسها. ولهذا السبب يدرك صناع القرار أن أي تصعيد غير محسوب قد يتحول سريعاً إلى أزمة عالمية تتضرر منها جميع الأطراف.
هذه المعادلة تذكّر إلى حد كبير بمنطق الردع الذي حكم العلاقات الدولية خلال حقبة الحرب الباردة، حين لم يكن السلام قائماً على التوازن في القوة بقدر ما كان قائماً على الخوف المتبادل من كلفة الحرب الشاملة.
ولعل التاريخ يقدم مثالاً مبكراً على هذا النوع من النتائج غير الحاسمة في الحروب. ففي معركة مؤتة، التي وقعت عام 629 ميلادي، واجه جيش المسلمين قوة أكبر بكثير تابعة للإمبراطورية البيزنطية وحلفائها من القبائل العربية. وعندما تولى خالد بن الوليد القيادة بعد استشهاد القادة الثلاثة، أعاد تنظيم الجيش ونفذ انسحاباً منظماً أنقذ به القوة العسكرية وعاد بها إلى المدينة. يومها اعتبر المسلمون إنقاذ الجيش نصراً استراتيجياً لأنه منع كارثة عسكرية كبرى، بينما رأى الروم في تراجع الجيش الإسلامي دليلاً على انتصارهم في المعركة.
هذه المفارقة التاريخية تقدم درساً مهماً لفهم طبيعة الصراعات الكبرى، إذ قد تنتهي المعارك أحياناً دون حسم واضح، لكن بطريقة تسمح لكل طرف أن يعلن أنه حقق أهدافه أو أفشل أهداف خصمه. وقد ظهر هذا بوضوح في الحرب التي شنتها الدولة الصهيونية على قطاع غزة، حيث لم يمنع التفوق العسكري الإسرائيلي الهائل من تحول الحرب إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة سياسياً وعسكرياً وإنسانياً، قبل أن تنتهي بوقف لإطلاق النار هندسته إدارة الرئيس الأمريكي ترامب، في صيغة سمحت لكل طرف بتقديم روايته الخاصة للنتيجة؛ إذ أعلنت تل أبيب أنها حققت أهدافها الأمنية، وقضت على البنية التحتية للمقاومة واستعادت أسراها، بينما رأت المقاومة بقيادة حماس أن صمودها في وجه القوة العسكرية الأكبر في المنطقة وإفشال مشروع تهجير سكان القطاع شكل بحد ذاته إنجازاً سياسياً ومعنوياً.
ومن هنا يمكن فهم الطبيعة المحدودة نسبياً للعمليات العسكرية الجارية حالياً. فالضربات المتبادلة، رغم خطورتها، تبدو محكومة بسقف سياسي وعسكري واضح يهدف إلى توجيه الرسائل وإعادة رسم قواعد الاشتباك أكثر مما يهدف إلى فتح حرب إقليمية واسعة.
كما أن الحسابات السياسية الداخلية لدى الأطراف المختلفة تلعب دوراً مهماً في كبح التصعيد. فالقيادة الأمريكية تدرك أن الانخراط في حرب واسعة في الشرق الأوسط قد يفتح جبهة مكلفة سياسياً واقتصادياً، بينما تدرك الدولة الصهيونية أن حرباً طويلة متعددة الجبهات قد تضعها أمام استنزاف استراتيجي غير مسبوق. وفي المقابل، تدرك إيران أن هدف خصومها قد يكون جرّها إلى مواجهة شاملة يمكن استخدامها لتبرير ضربات مدمرة ضد بنيتها العسكرية والاقتصادية.
لهذه الأسباب مجتمعة، يبدو أن الصراع الحالي يسير ضمن منطق الحرب المحدودة ذات الرسائل الاستراتيجية، حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق مكاسب ردعية وسياسية دون تجاوز الخطوط التي قد تؤدي إلى انفجار شامل.
ختاما، إن المنطقة تقف بالفعل على حافة تصعيد خطير، لكن المفارقة أن حجم المخاطر الكارثية نفسها قد يكون العامل الأهم في منع الحرب الكبرى، حسب قاعدة "اشتدي أزمة تنفرجي". فحين تصبح كلفة النصر أعلى من كلفة التراجع، يميل القادة – مهما ارتفعت نبرة التهديد – إلى إدارة الصراع بدلاً من تفجيره.
ولهذا، فإن الاحتمال الأرجح في المرحلة المقبلة ليس اندلاع حرب شاملة، بل استمرار المواجهة ضمن مستويات مدروسة من التصعيد، تسمح لكل طرف بإعلان نوع من"الانتصار" السياسي أمام جمهوره، تماماً كما يحدث كثيراً في الحروب التي تنتهي بلا منتصر حاسم ولكن أيضاً بلا هزيمة كاملة لأي طرف.








