كتب  زياد فرحان المجالي
لم تعد الحرب بين إيران وإسرائيل تُقاس فقط بعدد الصواريخ، أو بالغارات الجوية، أو بعمليات الظل التي تديرها أجهزة الاستخبارات المحترفة. فمع اتساع ساحات المواجهة، بدأت الحرب تنتقل تدريجيًا من الحدود إلى الداخل، ومن الجبهات العسكرية إلى الهواتف المحمولة والمنصات الرقمية وشبكات التواصل المفتوحة.
هذا ما تعكسه القضية التي كشفتها لائحة الاتهام الإسرائيلية ضد مدني وثلاثة جنود، بتهمة تنفيذ مهام لصالح جهات مرتبطة بإيران. فبعيدًا عن البعد القضائي الذي ما يزال بانتظار المسار القانوني الكامل، تكشف القضية تحولًا أعمق في طبيعة الصراع نفسه: الانتقال من نموذج "العميل المحترف” إلى نموذج "التجنيد الرقمي منخفض الكلفة”.
بحسب المعطيات الإسرائيلية، بدأ التواصل عبر تطبيق "تلغرام”، من خلال حسابات قدمت نفسها بأسماء وهمية، قبل أن تتطور العلاقة تدريجيًا إلى تنفيذ مهام ميدانية مقابل مبالغ مالية بعملات رقمية. البداية لم تكن درامية أو معقدة؛ تصوير محطة قطار، توثيق كاميرات مراقبة، تصوير مواقع عامة أو منشآت مدنية. لكن هذا النوع من العمليات يعتمد أساسًا على التدرج: اختبار الاستعداد أولًا، ثم بناء الثقة، ثم الانتقال إلى مهام أكثر حساسية تتعلق بمواقع أمنية أو عسكرية.
هنا تكمن خطورة النموذج الجديد. فالحرب الاستخبارية لم تعد تحتاج دائمًا إلى شبكات سرية معقدة أو عناصر مدربة تُهرّب عبر الحدود. أحيانًا يكفي هاتف ذكي، وحساب مجهول، ومبلغ صغير، حتى يتحول فرد عادي إلى نقطة اختراق محتملة داخل دولة كاملة.
في القراءة الإسرائيلية، يشكل هذا النوع من الاختراق مصدر قلق حقيقي، لأنه ينقل التهديد إلى قلب المجتمع نفسه. فالمعركة لم تعد تجري فقط عند الحدود أو في البحر أو الجو، بل داخل الفضاء الرقمي المفتوح، حيث يصبح من الصعب مراقبة كل تواصل أو تتبع كل محاولة تجنيد. وكلما توسعت المنصات الرقمية، وتزايد الاعتماد على العملات المشفرة، أصبحت عمليات التجنيد أقل كلفة وأكثر مرونة.
لكن القراءة المحايدة تفرض التمييز بين الاتهام والحكم النهائي. فمثل هذه القضايا غالبًا ما تُستخدم أيضًا ضمن الحرب النفسية والإعلامية بين الخصوم، لإظهار القدرة على الاختراق أو على إحباط الاختراق. ومع ذلك، فإن مجرد الكشف عن هذه الوقائع يعكس حقيقة واضحة: الحرب الحديثة لم تعد تحتاج إلى جيوش كبيرة فقط، بل إلى القدرة على استغلال الثغرات الاجتماعية والرقمية والنفسية داخل المجتمعات.
الأهم أن هذه القضية لا تبدو منفصلة عن السياق الإقليمي الأوسع. ففي لحظة تتزاحم فيها جبهات هرمز ولبنان والملف النووي، تصبح المعركة على الوعي والمعلومة والاختراق الداخلي جزءًا من الحرب نفسها. إيران تريد أن تقول إن الداخل الإسرائيلي ليس محصنًا بالكامل، بينما تريد إسرائيل أن تؤكد أن أجهزتها ما تزال قادرة على كشف هذه الشبكات قبل تحولها إلى خطر أكبر.
ومن زاوية استراتيجية، فإن أخطر ما في القضية ليس حجم المعلومات التي ربما جرى نقلها، بل طبيعة البيئة التي سمحت بحدوث ذلك. فعندما يصبح التجنيد ممكنًا عبر تطبيق مفتوح، وعندما تتحول المهام الصغيرة إلى مدخل لعمليات أكبر، فهذا يعني أن الجبهة الداخلية لم تعد مجرد خلفية للحرب، بل أصبحت إحدى ساحاتها المباشرة.
الخلاصة أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من الصراع: مرحلة لا تبدأ فيها الحرب دائمًا بصاروخ أو غارة، بل برسالة على تطبيق، أو تحويل مالي رقمي، أو صورة تُلتقط بهاتف عادي. وفي عالم كهذا، تصبح المعلومة الصغيرة أحيانًا أخطر من السلاح نفسه.