كتب - زياد فرحان المجالي
ليست كل الأوراق التفاوضية مكتوبة بالحبر وحده؛ بعضها يُكتب تحت النار، وبعضها الآخر يُقرأ في الممرات البحرية والجبهات المفتوحة. والرد الإيراني على المقترح الأميركي ينتمي إلى هذا النوع الأخير: ورقة لا تجيب فقط على واشنطن، بل تحاول أن تعيد ترتيب الطاولة كلها.
فواشنطن تريد أن تبدأ من النووي: اليورانيوم عالي التخصيب، المخزون، المنشآت، الرقابة، والتفكيك. أما طهران فتدفع النقاش إلى مكان آخر: أوقفوا الحرب أولًا، ارفعوا الحصار، أعيدوا النفط الإيراني إلى السوق، خففوا العقوبات، ثم تعالوا إلى الملفات الكبرى.
هنا تكمن عقدة اللحظة. إيران لا ترفض التفاوض، لكنها ترفض أن تدخل إليه وهي محاصرة وتحت النار. ولا تريد أن يتحول الحوار إلى استسلام سياسي مغلف بلغة دبلوماسية. لذلك جاء الرد الإيراني محمّلًا بشروط تتجاوز النووي: إنهاء الحصار الاقتصادي، تحرير الأموال المجمدة، ضمان حق تصدير النفط، ووقف التصعيد العسكري على الجبهات المرتبطة بالمواجهة، وفي مقدمتها لبنان.
الأهم أن طهران لا تفصل بين هرمز ولبنان والنووي. فالمضيق ليس عندها ممرًا بحريًا فقط، ولبنان ليس جبهة جانبية، والنووي ليس ملفًا تقنيًا معزولًا. إنها معادلة واحدة: لا فتح مستقرًا لهرمز مع استمرار خنق إيران، ولا تهدئة حقيقية في الخليج إذا بقيت النار مشتعلة في لبنان، ولا تفاوض نوويًا جديًا بينما الحرب قائمة.
من هنا يصبح مضيق هرمز ورقة سيادة وضغط وتعويض، لا مجرد خط ملاحي تطالب واشنطن بفتحه. فطهران ترى أن من يطلب حرية الملاحة للعالم لا يستطيع في الوقت نفسه أن يمنع عنها حرية الاقتصاد والتصدير. بمعنى أوضح: لا يمكن للعالم أن يطلب عبور نفطه بأمان بينما يُطلب من إيران أن تختنق بصمت.
أما الملف النووي، فقد بقي في الخلفية أو جاء بصيغة غير مباشرة، وهذا بالضبط ما أثار غضب واشنطن وتل أبيب. فالولايات المتحدة تريد جوابًا مباشرًا حول التخصيب والمخزون والمنشآت، بينما تريد إسرائيل اتفاقًا لا يجمّد الخطر فقط، بل يقتلع أدواته من جذورها. ولهذا اندفع نتنياهو لإعادة النووي إلى مركز المشهد، خشية أن تنجح طهران في تحويل التفاوض من ملف تخصيب إلى ملف حرب وحصار وممرات.
ترامب وصف الرد بأنه غير مقبول، لكن المشكلة الأعمق ليست في الرفض فقط، بل في اختلاف الباب الذي يريد كل طرف الدخول منه. إيران تقول: أوقفوا الحرب أولًا. واشنطن تقول: قدّموا التنازل النووي أولًا. وبين العبارتين تقف المنطقة كلها على حافة مرحلة جديدة.
هذه ليست فجوة تقنية، بل معركة على ترتيب الأولويات. ومن يفرض الأولوية يقترب من فرض معنى النصر. لذلك لا تبدو الورقة الإيرانية ورقة استسلام، ولا تبدو أيضًا ضمانة تسوية قريبة. إنها أقرب إلى اختبار كبير: هل تريد واشنطن اتفاقًا ينهي الحرب، أم اتفاقًا ينتزع أوراق إيران تحت ضغط الحرب؟
في النهاية، الرسالة الإيرانية واضحة: لا تفاوض حقيقي تحت النار، ولا نووي قبل وقف الحرب، ولا هرمز مفتوحًا بينما إيران مغلقة اقتصاديًا. وهذه هي معادلة الرد بكل حدّتها: إمّا تسوية تعترف بموازين النار والممرات، وإمّا ضغط جديد قد يجعل المنطقة كلها تفاوض على فوهة بركان.
