عشقٌ مهرّب

أحمد حسن الزعبي
..بدأت بترتيب ملابسي في الحقيبة المستطيلة،هنا قمصاني، هنا كتبي ، هنا دفاتر النثر، هنا فرشاة أسناني..وقبل أن يمرّ السحّاب ليخيط غطاء العتمة على صندوق السفر.. كسجّان صارم ، أمسكت بـ»العَلَـــــَـــم» طويته طويتين لأختم به ما تبقى لي في الوطن ، حذرني أخي قائلاً: احذر ،هناك يتحسسون من الرايات الشقيقة، لا تأخذه أو ضعه في مخبأ سرّي..فهرّبته بين رسائل الحب وقصاصات الشعر وصورة أبي ...

في غربتي الأولى..لم أنم يوماً واحداً دون أن أُقبّله ، عندما أتأكد أن شركائي في الشقة القابعة في «الملز- الرياض» نائمين أو ملهيين في غرفة الجلوس..أخرجه من درج خزانتي أقبّله وأعيده إلى مكانه وأنام..كنت أحرص بشدّة ألا يراني أحد..كي لا اتّهم بالجنون أو المجون أو النفاق ..لذا كنت أمارس طقوسي بسرّية وإخلاص وقناعة كمن اعتنق ديانة جديدة...

أوصيت أخي إبراهيم على «كاسيت» لأغاني وطنية تحديداً «عمان/ لنجاة الصغيرة.. أنا الأردن / لإسماعيل خضر.. أردن أرض العزم.. على ذرى أردننا الخصيب..» وطلبت ان يوصلها لي بأقرب فرصة.. لقد جال استوديوهات اربد كلها ولم يجد طلبي.. فقام بتسجيلها وتجميعها يدوياً من خلال رصده للإذاعة الأردنية على مدار أسابيع.. بعض الأغاني كان يعتريها «التشويش» وبعضها مقطوع نصفها.. وبعضها الآخر داهمته دقّات ساعة الأخبار أثناء التسجيل»... لكنها كانت تؤنسني في غربتي، وتذكرني بـ «أنا الأردن» التي كانت تنساب من تلفزيون «التوشيبا» والنسمات تداعب خصلات شعر أبي في العريشة...

عند اغترابي الثاني إلى دبي ، حملت من الرمثا «علماً» أكبر ووضعته بين أحلامي وأشيائي بشجاعة أكبر هذه المرّة..انه جميل ودافىء بما فيه الكفاية...استطيع أن أتوشّح به إن لسعتني الغربة أو زكمني الحنين..هناك في غرفتي الضيقة الحادة في مقدمتها والمنفرجة عند السرير..أخرجت «العَلَـــــَـــم» فور وصولي إلى السكن الجديد..ولأنني لا أملك العدة اللازمة لتعليقه فوق رأسي من مطرق أو مسامير ...استخدمت «لصقات الجروح» لتثبيته على الحائط...كان كلما دخل عليّ صديقاي «ضيف الله بركات» أو «إياد بركات» يسألاني..»حاط العلم هون..مين بده يشوفه»؟؟..فأجيبهم: بيكفي أني بشوفه!!!..

بقيت سبع سنوات اكتب رسائل لأمي ،وخواطر لبغداد والرمثا والحبيبة وعمان ..استمع لنجاة وفيروز وإسماعيل خضر..من ذلك الشريط المنتج يدوياً... انظر إلى العلم الذي لم تغب نجمته عن قلبي ليلة ..ولم يبرأ لحظة من لاصقات جروحي...

هذا العلم الخفّاق الذي يسهر على السارية لننام...نحبّه، ونحبّه، ونحبّه، لكن على طريقتنا...بصمتِ وصوفية وسرّية..


(الرأي)
تابعو الأردن 24 على