jo24_banner
jo24_banner

الفجوة تتسع ..فهل من مدكر

د. رحيّل الغرايبة
جو 24 : يغيب عن بال كثير من الزعماء والسياسيين وأصحاب المسؤولية أن معيار النجاح الأكثر اهمية في عملية تقويم أدائهم خلال فترة حكمهم يتلخص بالإجابة على السؤال: كم استطاع المسؤول أن يقلص من حجم الفجوة الهائلة بين المواطنين، وبين شرائحهم وطبقاتهم ومحافظاتهم ومناطقهم وأحيائهم، في أسباب الحياة والمعيشة؟

في البدء يجب الاتفاق على أن التفاوت في مستوى المعيشة ونوعية الحياة، ومقدار الرفاه والتنعم بين البشر في كل بقاع الدنيا شيء طبيعي وعادي، لأنه قائم على التفاوت في القدرات والتباين في البذل والاجتهاد والصبر والجلد والمواظبة، والقدرة على المتابعة والاختلاف في مستوى الاهتمام والرغبة والطموح والموروث الحضاري، فهذا ليس محلاً للجدل، وليس هو المقصود من العنوان والسؤال المطروح في المقدمة، وإنما المقصود هو العمل على تحقيق المساواة في الأسباب والوسائل وإتاحة الفرص، والمساواة بين الناس أمام القوانين، والتشريعات الناظمة للحياة، والمساواة أمام تطبيق معايير الاختيار للكفاءة بين جميع مواطني الدولة.

إن وظيفة الدولة بكل مؤسساتها وأجهزتها هي امتلاك القدرة على إرساء معايير العدالة في الفرز والاختيار، وتسخير السلطة والقوة الممنوحة إليها في اتاحة الفرص في التعليم والصحة والعمل والغذاء والدواء، وبالحدود الدنيا المطلوبة بحسب ما يتوافر من إمكانات ومقدرات، لكل أبناء البلد على صعيد واحد، ومن أراد فيهم أن يزيد على الحد الأدنى المتوافر على حسابه الخاص ونفقته الخاصة فله ذلك، ولكن الأمر المقصود على نحو دقيق في هذا الشأن: أن الدولة والسلطة والمال العام يعد حقاً عاماً للمجموع على قدر سواء، وفقاً للمعايير المتفق عليها، والتي اكتسبت شرعيتها من خلال إفراز الممثلين للشعب بعدالة ونزاهة وشفافية، بحيث لا يكون لمركز الوالد والقريب والصديق ونفوذه في الدولة أي أثر في التمييز بين المتقدمين.

لقد أصبح مستقراً في أذهان الغالبية الساحقة، أن بعض الوظائف في بعض المواقع أصبحت حكراً على بعض الشرائح والعائلات، ويتم توارثها كابراً عن كابر، بغض النظر عن الكفاءة الشخصية أو مستوى الأداء، أو نوع الشهادة أو شكل التخصص، ويتضح ذلك من خلال تصفح أصحاب المواقع العليا من حيث الكفاءة والأداء، ومن حيث العدالة في المنافسة المتاحة التي أعطتهم هذه الفرص.

الأمر الآخر الأشد وضوحاً يتجلى في مسألة التربية والتعليم، إذ أن الفجوة تتسع بين قطاع التعليم العام وقطاع التعليم الخاص، كما أن الفجوة تتسع بين مستويات القطاع الخاص نفسه، فهناك مدارس معدة للنخبة الثرية من أصحاب الدخول العالية، وهناك مدارس معدة لنخبة النخبة الاكثر ثراءً ونفوذا، بحيث أصبحت مجالاً لتوفير التعليم المتميز للطالب بحسب انتفاخ جيوب ذويه، ورفعة شأن منصب ولي أمره، وليس بحسب نبوغه وتفوقه وذكائه واجتهاده، وقدرته على خدمة بلده في المستقبل.

وهناك أمر ثالث يتعلق بفرص العمل، وتوافر أسباب زيادة الثراء، ورفع مستوى الدخل؛ عن طريق المحسوبيات والرشاوى والفساد الإداري بكل أشكاله المعروفة وغير المعروفة، التي تؤدي إلى زيادة الأغنياء غنىً، وزيادة الفقراء فقراً.

إن الفجوة الكبيرة الموجودة بين شرائح المجتمع، ومناطق الدولة ومحافظاتها تزداد اتساعاً مع مرور الأيام، في ظل غفلة الحكومات المتتابعة وضعف يقظتها، مما أدى وما زال يؤدي إلى احداث فجوة أكبر وأكثر خطورة في الميول والاتجاهات الاجتماعية وطريقة التفكير والنظرة للحياة بين تجمعات المواطنين، التي تهيىء للفرقة والتشتت والتفكك الاجتماعي المرعب، الذي يصلح لاستنبات بذورالسخط والنقمة و التطرف والعنف، ويهيىء القابلية للانحراف لدى الشباب المتعطل عن العمل، ويدفعهم نحو الوقوع في براثن العصابات الخطرة والمجموعات الخارجة على النظام، ويعد ذلك أكبر عدو يتربص بنا وبمستقبل أجيالنا، والعاقل من اتعظ بغيره، ولم يسع إلى حذفه بظلفه.

المنهجية المطلوبة من الحكومة وكل أصحاب المسؤولية وكل المؤثرين في صناعة المستقبل أن يلتفتوا إلى أولوية تقليص الفجوة الكبيرة والواسعة بين المواطنين والعائلات والمناطق والمحافظات والطبقات، على مستوى التعليم والصحة، وعلى مستوى المعيشة والحياة وفرص العمل، وعلى مستوى القوانين والأنظمة، وأن يعملوا على ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص بعدالة، ويجب التعاون بين كل الجهات والأطراف المعنية، على رصد معالم هذه الفجوة وأسبابها وعوامل اتساعها؛ في رؤية الأردن عام (2025)، بطريقة تشمل كل المسارات المهمة بتوازن وتكامل ومشاركة شعبية فاعلة.


(الدستور)
تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير