استراتيجية إضعاف جميع الأطراف
د. رحيّل الغرايبة
جو 24 : من ينظر إلى المشهد العربي وما يجري في المنطقة من نزاعات ومواجهات مسلحة بينية داخل الأقطار العربية، وكيفية تعامل القوى العالمية والإقليمية مع الأحداث الجارية، من حيث التدخل السياسي والعسكري، أو من خلال النظر في سياسات التسليح وآليات الدعم والاسناد المختلفة، ومراقبة التصريحات الصادرة عن ممثلي القوى الفاعلة والمؤثرة، يصل المراقب إلى حقيقة صارخة ومؤلمة وخطيرة حول فلسفة إدارة الصراع في المنطقة؛ التي تقوم بجوهرها على إضعاف جميع الأطراف وإطالة أمد الصراع، وعدم السماح لأي طرف بتحقيق نصر حاسم. تظهر الحقيقة جلية من خلال رصد بدايات الانتفاضة الشعبية العفوية في سوريا، وكيف تعامل معها النظام الحاكم، وكيف تحول مسار المواجهة إلى صراع مسلّح، والوقوف بعد ذلك على الكر والفر بين قوات النظام والمعارضة، وكيف تم دعم الأطراف المتقاتلة بالإمداد الخارجي بالمال والسلاح والرجال، ومن ثم كيف تدخلت المليشيات العابرة للحدود، إما لنصرة النظام أو لنصرة المعارضة، ونشوء داعش بعد ذلك لتعقد المشهد وتحول دون فاعلية العنصر الشعبي في المواجهة القائمة، وتشرعن الحرب ضد المعارضة، ثم افتعال معركة كوباني ودخول الأكراد على الخط، ثم تطور المشهد عبر تدخل طيران التحالف من خلال سياسة «لا يموت الذيب ولا تفنى الغنم»، وهكذا تمضي الأشهر والسنوات والمشهد يتراوح بين تقدم طرف وتقهقر آخر، ثم ينعكس الدور بتقهقر المتقدم وتقدم المتأخر بطريقة مكرورة ومملة. المشهد نفسه يتكرر في العراق، عندما ينسحب الجيش ويتقهقر إلى حدود معينة، لإيجاد مواطىء قدم لقوة جديدة ناشئة اسمها «داعش»، ثم تمضي الأشهر والسنوات، بين تقدم لطرف وتأخر لطرف آخر، ثم يدخل الأكراد لاحداث جبهة أخرى، وبعد ذلك يتدخل طيران التحالف ليقصف أحياناً، وليرمي لهم اسلحة بالخطأ أحياناً أخرى، وتبقى الجبهة مشتعلة بين تقدم لقوات الجيش العراقي في بعض المناطق، وتقهقر في مناطق اخرى مرسومة، ويستمر النزيف من جميع الأطراف، ثم يأتي المدد من إيران عبر مليشيات مسلحة وقوى إيرانية محترفة من أجل دعم طرف ضد طرف، ويقابله دعم من تركيا وأطراف عربية أخرى؛ من أجل إحداث توازن مرسوم، ومن أجل الحيلولة دون الذهاب إلى النصر الحاسم الممنوع لأي طرف. تتشابه القصة ببعض جوانبها في اليمن، فعندما قامت الثورة وآلت الأمور إلى توافق معظم الأطراف اليمنية على المبادرة الخليجية وعزل الرئيس، تعود الكرة من جديد عبر تحالف إيراني مع الرئيس المخلوع ومجموعة الحوثيين لتعيد الأمور إلى مرحلة الصفر، ثم تنشأ عاصفة الحزم لتضع حداً لتقدم التحالف الثلاثي الجديد، ويتحول الصراع مرة أخرى إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، يشترك في دفع الضريبة كل الأطراف بلا استثناء، ونعود إلى الدوامة مرة أخرى لتطحن كل القوى . ليس من المبالغة أن نقول إن المشهد نفسه يتكرر في ليبيا، فبعد أن سقط النظام، وآلت الأمور إلى الاستقرار عبر إجراء انتخابات عامة لمرحلة انتقالية تهيء لمرحلة الاستقرار، وإذ بنا نشاهد تدخلا سافرا لبعض الأطراف العربية بالانقضاض على الموقف الليبي الموّحد وأعادت الشرخ إليه مرّة أخرى، لتشعل حرباً جديدة بين أطراف ليبية متصارعة؛ بين طرابلس وبني غازي وبرقة ومصراته، وتدخل الطائرات الغازية مرة أخرى من أجل إضعاف طرف على حساب طرف آخر، وتتحول المواجهة الى صراع دموي طويل الأمد، ثم يتعقد المشهد بظهور « داعش « مرة أخرى في بعض المناطق؛ من أجل إضعاف الأطراف جميعاً والدخول إلى الدوامة القاتلة . ما يحدث في مصر ليس بعيداً عن الفلسفة ذاتها؛ التي تعمل على إنشاء مواجهة داخلية وحرب طويلة الأمد تؤدي إلى استنزاف الدولة واستنزاف جميع الأطراف الفاعلة في المجتمع المصري وابقائه في دوامة حرب طويلة الأمد وبلا أفق و يخسر فيها الجميع. الفلسفة الدولية المتبعة في إدارة الصراع في المنطقة تريد إقامة تسوية سورية - سورية وعراقية - عراقية ، وتركية – ايرانية، وعربية – عربية، وعربية - اسرائيلية؛ ولكن بعد انهاك جميع الأطراف واستنزاف قوتها، من أجل صناعة بيئة جديدة تعترف جميع الأطراف المثرة فيها بعجزها عن الحسم، وتتهيأ لقبول الآخر، تحت مطارق الاضعاف والانهاك المستمر الذي يجعل الصراع داخلياً ومدمراً للذات دون إلحاق الضرر بالقوى العالمية أو الإقليمية. الدستور








