كلنا شركاء في المسؤولية
د. رحيّل الغرايبة
جو 24 : هناك إجماع على توصيف الحالة القاتمة التي تسود الأوضاع السياسية والاقتصادية على الصعيد العربي، محليّاً وإقليمياً، من حيث الضعف والفرقة والشرذمة السياسية، ومن حيث تدهور الأوضاع الأمنية والعسكرية وسيادة منطق العنف والاقتتال الداخلي والحروب الأهلية، التي تستند إلى أسباب دينية ومذهبية وعرقية وسياسية، ومن حيث تدهور الأوضاع الاقتصادية المتمثلة بتعاظم الديون وانتشار الفقر والبطالة وضآلة قيم الانتاج، ومن حيث تدهور الأوضاع الإنسانية المتمثلة بالتضييق على الحريات والاعتداء على حقوق الإنسان، ومن حيث تدهور الأوضاع التعليمية، وانحطاط مستوى البحث العلمي وضعف التربية بكل أبعادها، وأمور أخرى كثيرة. لكن هناك اختلافا ولغطا شديدا في الوقوف على الأسباب والعوامل الحقيقية التي أدت إلى هذه المآلات البائسة، وهناك اختلاف شديد في تحميل المسؤولية وتقاذفها، فبعضهم - وهم الكثرة - يذهبون إلى تحميل الأنظمة السياسية الحاكمة وأجهزتها المختلفة المسؤولية كاملة، وهناك فريق آخر يذهب إلى تحميل المسؤولية للشعوب والجماهير العريضة، وما يسودها من ثقافة متخلفة وإتكالية وعدم فاعلية، وما لديهم من قابلية للكسل والذل والاستعمار أو الاستحمار أحياناً في لغة بعض الكتاب. لكن الحقيقة المرة أننا جميعاً شركاء في تحمل المسؤولية؛ أنظمة وشعوباً ومؤسسات مجتمع مدني وأجهزة رسمية وأحزاب سياسية، ولا يستطيع أي طرف أن يتملص من تحمل المسؤولية، وإن كان هناك تفاوت بحجم المسؤولية، فالأنظمة وما يتبعها من أجهزة ومؤسسات تتحمل القسط الأكبر من المسؤولية بلا شك؛ لأنها وجدت من أجل قيادة شعوبها نحو النهوض، ومن أجل زيادة فاعليتها ورفع سويتها عن طريق تحسين مستوى التربية والتعليم والبحث، وعندما تعجز عن القيام بهذا الدور فقد فقدت مبررات وجودها، ولكن في الوقت نفسه فإن الشعوب والجماهير تتحمل قسطاً وافراً من المسؤولية أيضاً، من خلال استشعار وجوب امتلاك أدوات الرقابة على الحكومات والأنظمة، ومن خلال السعي نحو امتلاك أداوت الضغط الجماعي الذي يحقق لها حضورها الشعبي، والتأثير بالرأي العام، وليس هذا فحسب، بل من خلال السعي الجماعي للإسهام في دفع عملية النهوض الجمعي، والمساعدة في الدفع نحو التقدم والتحضر والرقي من خلال مؤسسات المجتمع المدني والفعل الشعبي في خدمة الذات، والمبادرات الفردية والجماعية في تحسين مستويات الأداء وتعظيم الإنجاز، والالتزام بالقانون والنظام، وحماية المصلحة العامة وتقديمها على المصالح الفردية والفئوية والجهوية الضيقة. نحن مدعوون إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة، ونشر ثقافة جديدة، تقوم على امتلاك العزم الجماعي على مغادرة منهج التلاوم، ومغادرة أسلوب تقاذف المسؤولية، وعدم الإصرار على تبرئة كل طرف لنفسه من أجل التملص من تحمل المسؤولية، والاستغراق في النقد السلبي وجلد الذات الذي يزيد من فداحة الخسارة وعظم المصيبة، ونحن مدعوون أيضاً إلى إرساء دعائم المرحلة الانتقالية التي تتمثل بالمشاركة الفاعلة بين السلطة والشعب، والمشاركة الفاعلة بين جميع القوى السياسية والاجتماعية على أساس واحد مشترك؛ يحظى بالإجماع التام، يتمثل بحماية هذا الوطن وخدمته ورفعة شأنه، وصياغة الدولة الأردنية الحديثة القائمة على أساس المواطنة الصالحة، والتي تتطلع لإخراج النموذج الناجح لدول المنطقة المنكوبة . نقطة البدء تتمثل بالشروع في إعادة بناء الإنسان الأردني من خلال منظومة التعليم والتربية والبحث العلمي، وتسخير الإمكانات الوطنية في مسار إعداد الجيل القوي القادم، الذي يتصف بالعلم والخلق والإيمان والإنتماء العميق، وحب العمل واستيعاب الاختلاف والتعددية وتقبل الآخر، والتفاني في واجب البناء الوطني وتقديس الحق العام. الدستور








