2026-03-17 - الثلاثاء
Weather Data Source: het weer vandaag Amman per uur
jo24_banner
jo24_banner

الشعب التركي يحقق فوزاً مذهلاً

د. رحيّل الغرايبة
جو 24 : لقد استطاع الشعب التركي أن يثبت مرة تلو المرة أنه شعب واعٍ وذكي، ويتمتع بقدرة جماعية على الموازنة، وإدراك الظرف العام الذي تمر به تركيا والمنطقة بأسرها، واستطاع خلال خمسة أشهر أن يعيد التعامل مع المشهد بقدر كبير من الحكمة والنظرة المستقبلية البعيدة المدى، من خلال النتائج التي أظهرتها صناديق الاقتراع، ووضع حد لمغامرة الإطاحة بالدور التركي الجديد، واستشعار الخطر بالتلاعب الدولي ببعض الملفات الداخلية للدولة التركية.
الشعب التركي ذهب نحو الطرف السياسي القوي والأكثر قدرة على تحقيق الطموحات التركية بتشكيل القوة الإقليمية القادرة على حماية مكتسبات الشعب التركي، والقادرة على مواجهة الضغوطات العالمية الهائلة التي تمارسها القوى الدولية الفاعلة على الصعيد الأمريكي والغربي، وعلى الصعيد الروسي والشرقي أيضاً، والقادرة على إدارة عملية الصراع والتنافس الشرسة التي تدور رحاها على حدودها في سوريا والعراق وبقية أقطار المنطقة.
حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان يقود معركة طويلة وقاسية على صعيد إعادة الدور الإقليمي التركي، بعد أن تمكن من النجاح في معركة البناء الداخلي على الصعيد الاقتصادي وعلى الصعيد العلمي والتربوي، وعلى صعيد الإنجازات الكبيرة والعديدة في المناطق التركية، وعلى صعيد إقناع الشعب التركي بشكل عملي ميداني أنه صدق في تنفيذ وعوده، وصدق في تنفيذ برنامجه الواقعي.
اعتمد أردوغان في تحقيق فوزه الكبير على البرنامج العملي الصادق، وعلى الإنجاز الكبير، ولم يستند إلى الشعارات الرنانة، ولا على الوجدانيات ذات الأثر المؤقت في دغدغة عواطف الشعب التركي، التي يزول أثرها سريعاً بعد الدورة الأولى، فيما لو عجز عن سداد الدين العام وفيما لو عجز عن رفع مسوى الدخل القومي أضعافاً مضاعفة، وتحسين مستوى المعيشة للشعب التركي كله.
أردوغان وحزبه قدم نفسه لشعبه أنه الأكثر قدرة على تحقيق طموحات تركيا والأكثر قوة وأمانة، وأنه قادر على الجمع بين الشعور القومي التركي والشعور الديني الإسلامي؛ بلا تناقض ولا عداء، واستطاع أن يقدم نموذجاً لا يحمل عداء ولا تناقضاً مع العلمانية الحقيقية، بل أعلن عن انسجامه معها ومع جوهرها، ولم يستند إطلاقاً على الأيدولوجيا أو الانتماء العقدي والديني، لأنه يحمل إرثاً طويلاً من الخبرة العملية في العمل السياسي والشعبي، مما جعله على يقين أن الفوز الحقيقي لن يتحقق إلّا بامتلاك القدرة على تنفيذ برنامج شامل للدولة يعتمد على الإمكانات والطاقات الذاتية التركية.
لكن ما يدعو للرثاء في عالمنا العربي أن نجد بين ظهرانينا فريقاً يغالي في العداء لأردوغان وحزب العدالة والتنمية، ويعبّر عن كرهه وحنفه غير المبرر لهذا الفوز، ويتجرأ أحياناً بوصف أردوغان بالديكتاتور والسلطان المستبد، وتجد فريقاً آخر يغالي في المدح والثناء والرقص فرحاً وطربا لفوزه بطريقة ساذجة تحمل دلالات في غاية السطحية، ويغفل الفريقان أن الحزب التركي الفائز يعمل لمصلحة تركيا ومصلحة الشعب التركي، دون أن نغفل عن ايجابيات الدور التركي في خدمة القضايا العربية والإسلامية.
نحن جميعاً معارضين ومؤيدين بحاجة ماسة أن ندرك أولاً ما جرى في تركيا بطريقة سليمة ودقيقة، وعلينا أن نقرأ توجهات الشعب التركي بطريقة علمية موضوعية موزونة بعيداً عن عواطف الرضا والكره، ونحن بحاجة أشد مساساً إلى الالتفات إلى أنفسنا وذواتنا، بأن نستفيد من التجربة التركية وكل التجارب الأخرى من أجل السير على امتلاك مقومات الرؤية العملية للفوز، وأن نتوجه نحو الاستناد على البرنامج وعلى الإنجازات العملية التي تحقق طموحات شعوبنا العربية، وعلينا أن نكف عن التغني بفوز الآخرين لنغطي فشلنا وعجزنا.


(الدستور)
تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير