2021-09-28 - الثلاثاء
jo24_banner

بث الروح في قرى اعياها الهجر والتهميش والاغتيال

حاتم الأزرعي
جو 24 :


يحكم اداء الحكومة نهج فزعوي ثابت لا يتغير في التعامل مع القضايا الرئيسة ، وفي الغالب الاعم هي اسيرة سلوك رد الفعل السلبي العاجز إزاء الأحداث، ونادرا ما تبادر الى طرح مشاريع تنموية ريادية ، والمشهد أشد قتامة، عند الحديث عن السياحة ،التي أنشئ هيئة مستقلة لتنشيطها، لكنها لم تحدث فرقا ، وتغط في سبات عميق .

وتتجلى فزعوية الحكومة في مجمل سياساتها وبرامجها ،وتتتبدى بوضوح في النظام المعدل لنظام هيئة تنشيط السياحة لسنة 2021 ، الذي اقر وزير السياحة والاثار نايف حميدي الفايز انه "ردة فعل للجائحة .. للتخفيف من اثرها " ، بمعنى آخر فزعة كالمعتاد، اشبه بفقاعة هواء سريعا ما تزول ،دون أن تترك أثرا يذكر .

على اي حال، بعيدا عن النظام المعدل، والفزعوية واشكالاتها ،ورد الفعل في الاداء الحكومي ، لفت انتباهي مؤخرا المناشدة التي وجهها أهالي قرية شطنا الى الجهات المعنية لوقف منح تراخيص لاقامة مقالع (كسارات) في محيطها وعلى أطرافها، خشية من أثرها البيئي والاضرار الصحية التي قد تنجم عنها.

واعادتني المناشدة سنوات طويلة الى الوراء، واثارت في نفسي ذكريات المكان وناسه في زمن الطيبة والخير العميم، وبساطة العيش وسكينة النفس ، والح علي السؤال : لماذا ندمر البقية الباقية من روح قرانا بدل ان نبث فيها الحياة ونجعلها قرى سياحية نموذجية، لا سيما ان فيها من المقومات ما يؤهلها لتكون كذلك بامتياز.

على كتف جبل ،يشكل امتدادا طبيعيا لجبال عجلون المكسوة بأشجار البطم والبلوط ، ترخي قرية شطنا راسها لتنام على قوس قزحي ترسم ألوانه الحصن وكتم والنعيمة تحرسها من غزو المدينة ،لتحافظ على قرويتها النقية.

وفي الذاكرة صور من حياة القرية في شطنا ، لا تنسى او تزول بتقادم الايام ،وتقدم العمر، بل يزداد الحنين إليها ، ويكاد لا يمر يوم دون أن يلوح في الذاكرة مشهد القرية ،وكأنه شريط " عواجل " اخبار تأسرك حتى يكتمل المشهد وتصبح الصورة أشد وضوحا.

وفي ذاكرة القرية وذكراها ، يلوح مشهد "العجال" ابو زها ، بشخصيته غريبة الأطوار، وكلماته التي لم افهمها يوما ،لكن "الحلال" كان يستجيب لها، ولا يخالف له أمرا وكأن بينهما لغة مشتركة ، وتفاهما قلما تجده بين اثنين .

ولا تغيب عن البال صور الجدة وهي تحلب الأبقار وتخض الحليب في "الشكاء" وتدق الهال "بالمهباش" بجرس موسيقي اخاذ، يكاد يضاهي مقطوعات باخ وموزارت، ولا تغيب عن البال رائحة خبز الطابون تتسلل الى انفي فتقودني اسيرا لا يقوى على المقاومة الى الفرن حيث دفء الجدة والحنان أشد حرارة واشتعالا من ناره المكمورة تحت التراب !!.

وفي الذاكرة صور الحصادين يلوحون بالمناجل تتهاوى على سنابل القمح حبا غريبا بين القاتل والقتيل، وصور البيدر ودرس المحصول، وأغاني الحصادين وشدوهم على ضوء قمر يغازل نجماته: هب الهوا يا ياسين...يا عذاب الدرّاسين!!.

لكن التعب يزول وهم يعبئون الكواير بالصاع الوافي، "على البركة"، وهو تعبير يطرحه كل شخص يمر بآخر يعبء المحصول، ويبقى الاطفال يحومون حول البيدر لنيل حصتهم من القمع ليستبدلوه من الدكان بالويفر والجعجبان والمخشرمة والملبس الحامض حلو وغيرها من خيارات محدودة جدا، لا يتجاوز عددها أصابع اليدين.

ولا تزال شطنا، الى يومنا، تحتفظ بروحها البكر، وطهر غذريتها ،وإن اختفى من المشهد "العجال"، وفرن الطابون، ودحرت افاعيها الاسفلتية، على محدوديتها، الافاعي التي الفنا وجودها، ومرورها في مواعيد كأنها مضبوطة على ساعة "بج بن" من أماكن لا تغيرها، في ارجاء منزل الجد ابو كامل.

وكثر مثلي من يعشقون عبق القرية وسخائها في منح الخيرات ومعها فيض المشاعر والأحاسيس، وفي وطننا قرى بكر عذارى لم تمسها يد المدينة بالغدر، ولم تغتصبها اوتغتال أنوثتها الخجولة الشوارع الاسفلتية ولم تختنق رئتيها بسموم المصانع وسحب دخان المركبات، فلماذا لا تبادر الحكومة بالتعاون مع القطاع السياحي الخاص برد الروح للقرى، باستحضار المشاهد المفقودة؟؟.

وفي وطننا قرى إن اعدنا إليها روحها المسروقة ،تشكل رافدا قويا لسياحة تغرق في بحر تجاهلنا وغفلتنا، نتباكى عليها ،ولا نمد لها يد العون والمساعدة ، فهل تستجيب وزارة السياحة والآثار ، لنداء أحياء القرى فلها محبوها وروادها ممن يشدهم الحنين من ابناء الوطن في الداخل والخارج ،ولها محبوها من انحاء العالم الذين يتوقون للتحرر ولو لأيام من عبودية الضجيج والصخب والارتماء في أحضان الطبيعة العذراء ،التي لم تمسها بسوء يد بشر !! .

إن من شأن أحياء قرى نموذجية تستحضر فيها الصور والمشاهد الغائبة تنشيط السياحة الداخلية والخارجية ، خلق فرص عمل لابناء القرى ، وقف الهجرة من القرية للمدينة ، وتلبية حاجة ملحة لعشاق القرية والحنين لحياتها الهادئة الوادعة بعيدا عن ضوضاء المدينة وضجيجها.


 
تابعو الأردن 24 على google news