jo24_banner

رسالة السليمات .. إستقالة ام شهادة إدانة ؟؟

حاتم الأزرعي
جو 24 :


تستحق رسالة الاستقالة التي وضعها مدير ادارة مستشفيات البشير د.عبدالمانع السليمات بين يدي وزير الصحة الدكتور فراس الهواري، ونشر نصها ، أن تقرأ بتمعن ، ويحلل مضمونها بعمق ، وإن تدرس بروية ، وأن تؤخذ بعين الاعتبار لدى الجهات السيادية والمرجعيات الأعلى من الوزير فلا يجوز ان يكون الخصم والحكم في آن واحد ، فتضيع المؤسسة التي يتربع على عرشها ، والخاسر الاكبر في نهاية المطاف الوطن والمواطن .

وفي الرسالة ما يلخص من جوانب عدة مقاطع من المشهد الدرامي المأساوي الذي يحكم نهج الادارة في مؤسساتنا، المنخورة بالشللية (..) وكل المثالب التي اوصلتها الدرك الأسفل، وتشكل وزارة الصحة النموذج الصارخ من هذه المؤسسات، فهي الأهم والاكثر صلة بحياة الناس اليومية.

يستغرب الدكتور السليمات في رسالته الباكية الشاكية، كيف انه لم يستشر في قرارات النقل والعزل وإنهاء الخدمات التي اتخذها الوزير اخيرا، ويرى "استحالة العمل في ظل غياب روح الفريق وانعدام التنسيق وغياب ادنى درجات المفاهيم الادارية"، وأستغرب ما يستغربه وهو ابن الوزارة لسنوات طويلة، فمتى كانت الوزارة تدار ‐الا ما ندر‐ وفق معايير الكفاءة والقدرة والاحساس العالي بالمسؤولية والانتماء والخبرة والجرأة في اتخاذ القرار العادل والحيادية والبعد عن الرذائل الادارية؟!.

وعلى النقيض تماما مما ذهبت اليه من انعدام روح الفريق، فلست أوافقك الرأي، لا بل ان صانع القرار لا يأخذ قراره منفردا، وربما يكون يصغي باهتمام الى مجموعة من الوشاة والمتسلقين وقناصي الفرص والمتعطشين والطامحين للكراسي والمتزلفين والمنافقين والمصفقين والمطبلين والمزمرين والمسحجين، لكل حركة او هزة رأس للوزير، ولا تنسى الحاقدين والحاسدين وأصحاب الثأرات البايته، وبعد ذلك تتحدث عن غياب روح الفريق، الا يعجبك كل هذا العدد ممن يتشاور معهم قبل ولادة اي قرار!! أليس هؤلاء فريقا متناغما متجانسا منسجما متوافقا " للسير نحو الهدف المنشود "وهو التدمير ، يا صديقي !!.

و"غياب الارادة الحقيقية لدى ادارة الوزارة ‐المركز‐ للتعاون" مع الميدان وتلبية احتياجاته للنهوض بمستوى الخدمات، ليس مفاجئا، فحالة فك الارتباط بين مركز الوزارة والميدان داء عضال ومرض مزمن تعانيه الوزارة ويئن تحت وطأته الميدان، وتدفع ثمنه باهظا كوادره من الاطباء والتمريض وغيرهم.

وعند اول اخفاق للميدان، وتحديدا في المستشفيات يسارع مركز الادارة في الوزارة الى التنصل من مسؤوليته، ويبرئ ساحته، لتنصب فيها اعواد المشانق للابرياء من الكوادر وهم في الحقيقة ضحايا اهمال الوزارة وتقصيرها وسباتها العميق، وانشغال اداراتها بمؤتمرات وندوات واجتماعات فنادق الخمس نجوم والسفر والترحال حول العالم للمشاركة وحضور ما لا لزوم له من الأنشطة والفعاليات ، وليذهب الميدان الى الجحيم ومعه من معه ممن يقوم على خدمتهم.

وتكشف الأمثلة التي طرحتها رسالة الدكتور السليمات بدم يغلي كيف أدار الوزير ظهره لهموم مستشفى البشير ومعاناته واحتياجاته الملحة الحرجة، ولا سيما في قسم الخداج الذي يفتقد لادنى مقومات العمل فالاصل ان "تكون هناك ممرضة واحدة لكل ثلاث اطفال، بينما نعمل بممرضة واحدة لكل تسعة عشر طفلا"، أيدرك الوزير مدى الخطورة التي تترتب على ذلك وتنذر بكارثة؟!

وتحمل رسالة السليمات إدانة واضحة صريحة للوزير على تخليه عن إنقاذ مستشفى الإسعاف والطوارئ، الذي زاره مرة يتيمة، شاهد خلالها حجم العمل الكبير، واستمع الى احتياجاته من الكوادر، التي يعاني المستشفى نقصا حادا فيها، لكنه لم يحرك ساكنا، فكانت الفاجعة التي هزت الناس واثارت غضبهم.

ويلفت الانتباه بشدة ما جاء في رسالة الدكتور المستقيل، حول رفض الوزير في زيارته الثانية الى مستشفيات البشير التوجه إلى مستشفى الإسعاف والطوارئ للوقوف على احتياجاته، والاخطر ما نقله الدكتور السليمات على لسان الوزير "علينا ان نتعايش مع ذلك"، وذلك هنا تشير الى واقع حال إسعاف البشير، الذي كان الوزير شاهده في الزيارة اليتيمة.

ما نقل على لسان الوزير يشكل دليلا دامغا على عدم الاكتراث وانعدام ارادة التغيير والإصلاح والتطوير والمسؤولية المباشرة عن سوء الخدمة التي تقدم للمراجعين، فلماذا لا يحاسب (بفتح السين)؟ لا بل الانكى انه يحاسب (بكسر السين) ضحايا التقصير والإهمال؟!

عند افتتاح قسم قسطرة القلب في مستشفى الجراحات المتخصصة التابع لمستشفيات البشير، عبرت في مقالة منشورة عن الامل في ان يكون هذا الإنجاز حقيقيا وأن تكون الحكومة قد وفرت له مقومات النجاح، وشرطها الاول والاخير، توفر الكوادر المتخصصة عالية التأهيل والتدريب والخبرة، وكانت خشيتي ان يكون انجازا شكليا لاغراض الدعاية للحكومة وتسويقها.

وتكشف رسالة الدكتور المستقبل اليوم ما خشيته بالأمس، يقول الدكتور السليمات "رغم ان نصيحتنا للوزير كانت بالتريث في الافتتاح الى حين تدريب كوادرنا على هذا العمل "الا انه استعجل الأمر، معتمدا على شراء الخدمات، وهذا بالتأكيد ليس حلا، فقد ثبت بالوجه الشرعي القاطع فشل هذا النمط في تعويض النقص وسده، وأن التعيين هو الحل الامثل.

في رسالة الاستقالة صوت صدى سنين من الظيم والظلم والاجحاف ونكران الجهود والتغول والتنمر والاستفراد في صنع القرار وتجاهل الهموم وإدارة الظهر للاحتياجات وعدم الاحساس بالمسؤولية في غياب المحاسبة الحقيقية للمهملين والمقصرين لا بل وصولهم الى اعلى مراتب الادارة .

رسالة مدير إدارة مستشفيات البشير الدكتور عبدالمانع السليمات أكثر من إستقالة، انها بوضوح شديد شهادة شاهد عيان تحمل إدانة للوزير، فهل من محاسب؟؟.

 
تابعو الأردن 24 على google news