كارثة الخليج المصطنعة ..قراءات ودلالات
أسعد العزوني
جو 24 :
مضت نحو ثلاثة أسابيع على كارثة الخليج المصطنعة التي أفسدت علينا كمسلمين اولا فرحة قدوم شهر رمضان المبارك ومن بعده عيد الفطر السعيد، لأننا وجدنا أننا نحن المسلمين من تكفل بالإساءة لديننا الإسلامي الحنيف وتشويه صورته ،إذ كيف يمكن لدول إسلامية شقيقة على الأقل، فرض حصار على شعب مسلم شقيق وجار في دولة قطر ، وحشر قطر فجأة وبدون مقدمات في زاوية الإرهاب والتحريض عليها والدفع لأمريكا ترامب للقصاص منها.
نكتب عن هذه الكارثة ليس إنحيازا لدولة قطر التي لا تحتاج لمن يدافع عنها ،فهي وإن قيل لؤما أنها صغيرة الحجم وعدد سكانها 250 ألفا، إلا أنها وفي الحقيقة تمددت مساحة لتصل حدودها إلى أين تتوقف ناقلات الغاز القطري، وأين تهبط طائرات أسطول النقل الجوي القطري، وإلى أي مدى يصل بث قناة الجزيرة بكل فروعها،كما أن عدد سكانها إرتفع ليضم كل الفقراء والمنكوبين الذين قامت أذرع دولة قطر الخيرية بتقديم العون والغوث الإنساني لهم وما اكثرهم داخل وخارج العالمين العربي والإسلامي، إذ أن قطر دأبت على تقديم المساعدات لكل محتاج دون النظر لعرقه او دينه أو لغته أو جنسيته.
لهذه الكارثة دلالات ،وفيها دروس وعبر مستفادة وتستحق التمحيص ،لأنها ليست خلافا عابرا حدوديا كما حصل عام 1992 بين قطر والسعودية،بل هو قضية دولية بسبب التدخلات فيها ومن صنعها وأطراف النزاعات والتداعيات فيها والتي سنأتي عليها بالتفصيل ،وأول ما نتحدث عنه هو التوقيت.
إن أردت الإسراع في الوصول إلى كنه الحقيقة ،فعليك التدقيق في سر التوقيت الذي إنفجر فيه الحدث بغض النظر عن ماهيته،وتوقيت إنفجار كارثة الخليج المصطنعة يعطينا كل الدلالات عن ماهية هذه الكارثة ،فانفجارها جاء بعد زيارة الرئيس الأمريكي ترامب للرياض ،وبحسب التسريبات التي نشرت هنا وهناك من جهات شاركت في القمم الثلاث ،فإن دولة قطر رفضت الإنصياع للإبتزاز ودفع نصف تريليون دولار لترامب ، الذي أمر قبل طيرانه للخليج أن تدفع كل من السعودية والإمارات وقطر ما قيمته تريليون ونصف التريليون دولار، ليأخذها معه وهو قافل إلى بلاده ليقول لشعبه الرافض لبقائه في البيت الأبيض أنه أحضر لهم مبلغا ضخما لإنعاش إقتصادهم وتوفير فرص العمل لهم نظير حماية امريكا للخليج ، والدول بطبيعة الحال على أوروبا الغربية وكوريا الجنوبية واليابان.
تقول التسريبات أن الشيخ تميم ماطل في دفع ما ترتب عليه الأمر الذي أثار حنق المسوؤلين في السعودية والإمارات ، ولم يكن إنفجار الدمل بطبيعة الحال وليد اللحظة، بل وراء الكمة ما وراءها ،فالأحقاد والثارات مسلسل لا ينتهي ،لأن قطر لعبت دورا أكبر من حجمها وسجلت نجاحات مذهلة في العلاقات الدولية.
فجأة جرى تصوير دولة قطر على انها دولة مارقة وترعى الإرهاب ،مع أن ترامب أكد للشيخ تميم أثناء زيارته له في مقر إقامته بالرياض أن قطر شريك أساسي في محاربة الإرهاب ،ولا يهمنا هرطقات ترامب بعد ذلك من تلميح فتصريح بأن قطر تدعم الإرهاب ،وكل ذلك من أجل شفط ما يمكن شفطة من اموال قطر.
لو فتحنا سجل الإرهاب فلن نتمكن من غلقه لتفرعاته وتشعباته الخطيرة ،ففي أواخر عهد الرئيس أوباما أصبنا بالذعر لحراك امريكي على اعلى المستويات ،بتصنيف السعودية على انها راعية الإرهاب وتم تحميلها زورا وبهتانا أوزار جريمة إنهيار البرجين الإرهابية ،التي إتضح للأمريكيين في نهاية المطاف أن مستدمرة إسرائيل الخزرية الصهيوينة ممثلة بذراعها الإرهابي الموساد، هي التي نفذت الجريمة،ومع ذلك تداعى الجمهوريون في الكونغرس إلى إتهام السعودية بالإرهاب وأقيمت الدعاوي وكان يفترض أن تتكبد السعودية مبالغ مهولة لجريمة لا ناقة لها فيها ولا جمل .
كما أن جهات دولية رسمية تنشر تقارير موثقة تتهم فيها الإمارات العربية المتحدة بالإرهاب وبإدارة سجون سرية في اليمن والقيام بأعمال غير مشروعة في ليبيا ،بمعنى أن الآخر الذي وجد ضالته فينا في ظل إنهيار الإقتصاد العالمي ،ليسهم في تعميق كارثة الخليج كي يكون له سهم ودور في الحل، نظير التوصل إلى حلول ترضي الجميع بعد إنهاكنا جميعا سيكون هو الكاسب الأكبر،فلنا في كل دول الخليج العربية أهل هم الشعب السعودي والقطري والإماراتي والكويتي والعماني والبحريني.
وتحضرني هنا قصة الفأر الذي لجأ إليه إثنان من المتخاصمين حول تقسيم قطعة جبنة بينهما،وقد سر الفأر بقدومهما إليه وأمّن عشاءه في تلك الليلة دون تعب ناجم عن مطاردات هنا أو هناك،وبدأ بتوزين قطعة الجبة مناصفة،وكان يأكل من هذه الحصة او تلك لضمان العدل في الميزان، إلى أن أتى على القطعة كاملة ،وعندها خرج المتخاصمان دون أن يحصل أحدهما على غرام واحد من الجبنة فباتا جائعين عكس الفأر.
تسارعت الأحداث ودبت الكراهية في الخليج أسرع من النار في الهشيم ،ووجدنا أن عملا عسكريا ضد قطر على وشك الحدوث ،لكن قطر كانت تتحرك بوتيرة أسرع وإتسمت دبلوماسيتها بالهدوء والحكمة والعقل ،وإستغلت حدودها الجديدة لغريزة البقاء، وكان النتيجة أن رأينا الطرف الآخر بات يميل للتهدئة ، وخاصة بعد أن تم تفعيل التحالف العسكري القطري –التركي، الذي أزعج الجميع ،رغم وجود إتفاقيات دفاع مشترك بينهم وبين أمريكا ولكن يبدو أن طعم "..."الغريب حلو،ناهيك عن تفاعل إيران مع الأزمة إيجابيا مع قطر لكسر الحصار الغاشم ،وبالتالي لا يجوز لأحد أن يقول أن إيران هي التي تتمدد في المنطقة، بل نحن الذين ننسحب امامها ،ويحق لها أن تفتخر بوقفتها مع قطر.
دخلنا مؤخرا مرحلة جديدة في الصراع وهي فرض شروط مجحفة على قطر وأبرزها "شطب" الجزيرة وبناتها ،والتخلي عن جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس ،ويهمني الغوص في هذه الأقانيم الثلاثة لتفسير التشديد المضاد عليها ،ولأبدأ بقناة الجزيرة التي شهد لها الجميع بسبق تغطية الحدث ،وإن لم يرق للبعض طريقة تعاطيها من الأحداث فلكل رأيه ووجهة نظره ،وعموما فإن الجزيرة فتّحت عيوننا على أمور كان الجميع يجهلها ،ولا يضيرها إن قيل أن لها أجندة خاصة ،وتبقى أفضل من القنوات التي تشيع الفاحشة وتسوق لزواج المثليين في العالم العربي .
السؤال :لماذا التشديد على إغلاق الجزيرة وليس إجراء آخر،والجواب هو أن هذه القناة أسهمت في فضح جرائم الإحتلال الصهيوني الإرهابي الرسمي ،ولذلك وبحسب الخطة غير المدروسة جيدا ،فإنه لا يجب أن تكون الجزيرة حاضرة لتغطية العدوان السيساوي- الصهيوني المرتقب على قطاع غزة ،ويجب ألا تكون حاضرة في تغطية الهجوم الصهيوني المرتقب على لبنان لتصفية حزب الله بعد إنهاكه وتشويه صورته في سوريا ،وهذا ما تحدثت عنه وسائل الإعلام العبرية.
قالت صحيفة هآرتس العبرية قبل أيام أن المطلوب من وراء إسكات الجزيرة هو إسكات المعارضين الخليجيين الرافضين للتطورات السيئة المرتقبة ،وتضيف أن السعودية والأردن والإمارات ومصر ستدعو بعد العدوان المرتقب على غزة ، إلى مؤتمر لمصالحة فلسطينية عباسية –دحلانية وتكليف دحلان بتشكيل قيادة فلسطينية موحدة ، لتقوم السعودية بعد ذلك بالدعوة إلى مؤتمر سلام دولي شامل يضمن تصفية القضية الفلسطينية والإعتراف بيهودية الدولة وإقرار إجراءات التوطين الفلسطينية في الأردن على وجه الخصوص،وهذا ما رفضته دولة قطر بحسب تسريبات القمم الثلاث في الرياض.
ولا يفوتنا هنا القول أن شطب الجزيرة أيضا مطلوب حاليا حتى لا تتمكن من تغطية عمليات التطبيع العلنية المرتقبة والتي جرت محاولة فرضها على القيادة السعودية بعيد جريمة البرجين 2001 لكن القيادة السعودية آنذاك رفضت الإستجابة لعدم تحمل الشعب السعودي للخطوة ،ويتوقع بأن يجبر الملك سلمان وإبنه ولي العهد على زيارة القدس المحتلة لإفتتاح السفارة السعودية هناك، أو على الأقل حاليا إجبار القيادة السعودية على إستقبال النتن ياهو في الرياض وإفتتاح السفارة الإسرائيلية هناك بحسب تصريحات وزير إستخبارات مستدمرة إسرائيل الخزرية الصهيوينة قبل يومين.
كما أن الإخوان المسلمين الذين تحتضنهم قطر وحركة حماس وفق غتفاق خليجي قد إنتهى دورهم وبات التخلص منهم أمر واجب التنفيذ لعدم إنضباط قواعدهم بعد إندماج مستدمرة إسرائيل في المنطقة قريبا،دون النظر إلى وثيقة حماس التي كرست رسميا نهج منظمة التحرير الفاشل في التوصل إلى حل مع مستدمرة إسرائيل الخزرية الصهيوينة ،ومع ذلك إتهموها بالإرهاب ، رغم إستقبال الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز لقادتها ورعاية السعودية لمصالحة بينها وبين السلطة لم تر النور في الحرم المكي الشريف،وهناك تساؤلات مشروعة في هذا المجال منها أن الإخوان المسلمين في اليمن حلفاء للتحالف فكيف يتعامل معهم وهم إرهابيون،ناهيك عن إخوان ليبيا وتحالفهم مع الإمارات؟
مظاهر ملفتة للنظر تفضح هذا الملف وهي أن الأدوات الفاعلة واهمها مجلس التعاون الخليجي قد تم تغييبها عن المشهد ،مع أنه تأسس من أجل بحث المشاكل في حال حصولها ،كما غيبوا ما يطلق عليها جامعة الدول العربية "يرحمها الله "ومنظمة التعاون الإسلامي وهي من المؤسسات المعنية جدا بمثل هذه الملفات.
وهناك محيرات أخرى وهي أننا لم نسمع من الملك سلمان الأخ الأكبر في الخليج ما يدل على التهدئة ،إضافة إلى بروز موقف أكثر من قذر للرئيس السيسي في تأجيج الصراع ،علما أن امنا المحروسة مصر كانت هي صمام الأمان حتى وفاة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مقتولا بالسم،وليس بعيدا القول أنه تم تغييب دور الأردن كرئيس للقمة العربية ، رغم تقديرنا لجهود امير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد .
عموما فإن قطر تتعرض لمحاسبة قاسية لتغريدها خارج السرب في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية ورفضها ليهودية الدولة ، وجاء الإرهاب كشماعة لم يتم إنتقاؤها بعناية ، وقد خرجت دولة قطر وستخرج في نهاية المطاف أقوى مما كانت عليه بتحالفاتها المدروسة التي قلبت الطاولة ،ولا يغيبن عن البال الإتصالات القطرية- الروسية وتأثير ذلك على الأحداث في سوريا على سبيل المثال،كما لن ننسى موقف ألمانيا المؤيد لقطر وكذلك بريطانيا وآخرين ممن يبحثون عن مصالحهم.








