jo24_banner

أوفلاين !

رنا شاور
جو 24 : هل تبحث عن ذاتك الهاربة منك، هل تتوق إلى القفز خارج مدارات الضجيج، وهل هدّك هذا اللهاث اليومي المحموم ، وهل تشعر أن أكتافك تحمل أثقالاً فوق أثقالها.
انظر إلى نفسك:تضع سماعة الهاتف الأرضي لتسارع بالرد على رنين الموبايل. يبدو ملحاً الدخول إلى صفحات الانترنت وارسال ايميل سريعاً. لم تنجز مهامك الالكترونية بعد فهناك برنامجك اليومي للتواصل عبر تويتر وفيسبوك، وملاحقتك لمستجدات الأصدقاء ومجاملتهم أو الدردشة معهم ومتابعة «الأبلكيشنز» الجديدة على أجهزتك. ولكي تتفادى زعل البعض أو عتابهم فأنت مجبر للرد على رسائل «واتس آب» فبفضل «الاوبشنز» حيث لا تستطيع التملص لأنك تظهر على شاشاتهم بأنك متصل ومتاح. يؤرقك أن هناك مكالمات فائتة؟ اذن لا بد من اعادة الاتصال بأصحابها والاجابة على رسائل يفيض بها موبايلك!.
انها عينة مختصرة لافرازات التكنولوجيا، وبقدر ماسمحت هذه الوسائط بتسريع وتسهيل الحياة وأمور العمل وتواصل الناس ، بقدر ما هي سلبت راحة البال والصحّة في لهاث محموم لمجاراة التطبيقات المتجددة كل يوم، فخسرنا مساحات مهمة وصحية من التفرغ لذواتنا والتأمل في كل مايحيط بنا.
كم أحنّ إلى الهاتف الأحمر الذي كان في غرفة الجلوس في منزلنا. كنّا ندير أرقام الهواتف عبر قرص نلفه بأصابعنا،ولسبب لا أعرفه نطيل امساك القرص في الرقم الأخير قبل أن نتركه يتحرر. كم هي البساطة أجمل وإن اضطرتنا إلى بذل مجهود أكبر، كنا مثلاً في مكتبة الجامعة نقضي نهارات مع أصدقائنا في البحث عن كتب توفر لنا مادة البحث، وكنا نقطع المسافات لنبلّغ خبراً ، وكان المتصل عبر الهاتف الأحمر معلوماً لجميع أهل الدار.
الصحفي الأمريكي بول ميلر يكتب تجربته الفريدة على مدونته الالكترونية ويقول: ببساطة أردت أن أهرب. قصة بول تستحق أن تروى وتجرّب، فهو الشاب ذو السادسة والعشرين من العمر، كان قد أدمن الانترنت والوسائط الالكترونية منذ الرابعة عشرة، وأراد لفرط احساسه بهيمنة التكنولوجيا علىحياته وروحه أن يهرب إلى عوالم أكثر حقيقة.
قضى عاماً كاملاً من دون انترنت ولا هواتف خلوية أو وسائط الكترونية ويقول : كنت متأكداً أنني سأصبح غير منتج وخارج هذا الزمن وروحي ستفسد من الوحدة وسأخسر أصدقائي بلا شك. لكن التجربة بدأت وتغير كل شيء: أنام طوال الليل وأصحو باكرا، أقرأ الجريدة الورقية وأنجز عملي ورقيا وشخصيا وأكتب بخط اليد الذي تحسّن كثيراً، أعطي اهتماماً أكبر للناس من حولي وأشاهد أفلامي المفضلة على التلفزيون. صديقي الذي يعيش في الصين لم أعد أعرف أخباره إلا حين أكلمه دولياً في الهاتف الأرضي. أمي كانت تضطر للتحدث مع الجيران كي يحضروا للاطمئنان علي ويخبروني أن أتصل بها. أمضيت أوقاتا مع أمي وأختي وعلاقتي بهن صارت أجمل بكثير. قابلت كثيرين كنت سابقاً أختصر تعاملي معهم بالرسائل الالكترونية، مارست المشي والرياضة في أوقات فراغي وراقبت غروب الشمس، انضممت إلى مناسبات ثقافية مهمة وكثيرة والأهم أنني أنجزت كتابة نصف روايتي المتعطلة. وفي نهاية العام (التجربة) اكتشفت فجأة أن كرشي اختفى وأنني خسرت 15 باوندا من وزني الزائد!.
أترك التأمل والتعليق للقارئ. الرأي
تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير