jo24_banner
jo24_banner

هل تفعل المدونات ما لم تفعله التشريعات؟!

ابراهيم عبدالمجيد القيسي
جو 24 :

خلونا نحكي بصراحة «شوي»:

بشكل عام؛ إن مدونات السلوك والأخلاقيات المحببة، نتاج حضاري للسلوك الرفيع في احترام القوانين والمهن، والقيام بالواجبات العامة والخاصة بطريقة تعبر عن رقي وعراقة من يقوم بها، وقد تختلف الأخلاقيات من مجتمع الى آخر، باختلاف الثقافات، فبعض الأمور التي تجري في مجتمع ما، قد تبدو مستهجنة في مجتمع آخر، وثمة أمثلة كثيرة على هذا الاختلاف في الثقافات والأخلاقيات، لكن هناك قواعد سلوكية عامة ومعروفة حول العالم تعبر عن حضارية الانسان وتمدنه، وهي التي نتحدث عنها.

انطلق الحديث جديدا مفيدا في الأردن، يهدف الى إضفاء هذه الحالة من التحضر والرقي في تعامل الموظفين حين يقومون بمهامهم، والحديث قد لا يكون جديدا بالنسبة لنا في الأردن، لكنه كذلك حين ينطلق من الديوان الملكي، بعد أن قام الديوان الملكي بإشهار مدونة سلوك لموظفيه، الذين لا يحتاجون الى مثلها لو اعتمدنا مقارنة عملهم بالمؤسسات الأخرى، فهم موظفون ملتزمون تماما، ويستمدون رقي ورشاقة تصرفاتهم من خلال ما يشبه البروتوكول الذي يجمع بين التمدن والعسكرية، حيث أن موظف الديوان الملكي ومهما كانت درجته الوظيفية فهو محسوب على مؤسسة أردنية مهمة، هي مؤسسة العرش، الذي يحظى باحترام الجميع.

وعلى الرغم من خصوصية الديوان الملكي إلا أن جلالة الملك عبدالله الثاني أراد من خلال اطلاق هذه المدونة بين موظفي الديوان الملكي، أن تنتهج باقي المؤسسات العامة المهمة هذا النهج، وتطلق مدوناتها الخاصة، التي تضفي على موظفيها تمدنا وحضارية واحتراما للقانون ولسائر القيم الحضارية المطلوبة في رجال الخدمة العامة، وقد رأينا المدونات تتوالى ولن تتوقف عند المؤسسات المعروفة او السيادية، بل ستنطلق لتشمل جميع المؤسسات وهنا أجد السؤال منطقيا:

هل تفعل المدونات ما لم تفعله التشريعات؟ أي هل سنحظى برؤية مشهد احترام القانون وسيادته، ونلمس كل قيم العدالة والنزاهة والشفافية؟ فكل الواجبات والمهن تستند الى هذه الأعراف الانسانية الراقية حين يتلقاها المواطن، وتعميم أخلاقياتها الرفيعة وتثبيتها في وجدان المؤسسات والموظفين هي قيمة إنسانية تحترمها كل الشعوب، وتسمو الى درجة الأعراف، ثم يتم تضمينها في قوانين جديدة تعبر عن رقي قيم التمدن والتحضر .

يجب أن نتحدث هنا عن حالة قد تبدو من الترف حين نطالب بإقرارها كأخلاقيات للعمل العام، وهي حالة تعرضنا لها في الوسط الصحفي قبل عدة سنوات، وتتعلق بالمدونات والالتزام بها، إذ قامت إحدى الحكومات بإقرار مدونة سلوك للعمل الصحفي، وكان المقصود منها استقلالية الصحافة واستقلالية العمل الحكومي، وأن لا يجمع الصحفي بين العمل الصحفي المستقل والعمل في القطاع العام، فكانت النتيجة قاسية وغير متوافقة مع حقيقة الوضع في الأردن، فالدولة ومؤسساتها من جهة، تعاني قلة الخبرات الصحفية المهنية، ولا يمكنها أن تكتفي بمن لديها من عاملين في الاعلام عموما، ولا يكون عملها محترفا أو مؤثرا دون الخبرة الميدانية المهنية التي يتمتع بها الصحفيون، أما الحقيقة الأكثر مرارة فهي المتعلقة بالصحافة وبالصحفي الأردني، فهو مواطن أردني، ومهنته مهمة ومطلوبة ومقدسة، لكنه يعاني كغيره أو ربما أكثر على صعيد تواضع دخله المالي، فهو بحاجة للعمل في أكثر من جهة لتأمين متطلبات حياته الرئيسية، لا سيما ونحن نمر منذ سنوات بوضع اقتصادي متفاقم السوء، ومن أجل هذين السببين تراجعت الحكومة عن مدونة السلوك المذكورة وقامت بإلغاء آثارها عن المتضررين منها، الذين «خربت» حياتهم بعد تطبيقها، وهذا نموذج من التحليق بالمثاليات في وقت ومكان قد يبدو فيهما مثل هذا التحليق ترفا في غير أوانه .

أما في الحالة التي نشهدها اليوم من رواج لثقافة الأخلاقيات في القطاع العام، فهي مطلوبة ويمكنها أن تؤدي غرضا وطنيا، يرفع من قيمة الموظف العام وقيمة مهنته، حين يتم الالتزام بالأخلاقيات العامة المنسجمة مع الحالة الأردنية التي نمر بها، حيث قيم العدالة بين الناس، واحترام الآخرين وآرائهم، والإيمان بحق الناس في أن يحظوا بالاحترام من قبل الموظف العام، والنزاهة في أداء الواجب واحترام الأنظمة والقوانين، وتقديم الجهود المطلوبة بأمانة والتزام واحترام.. كلها أخلاقيات سامية راقية مطلوبة، وقد تجد نافذتها ليتم تعميمها على الناس وتأكيدها في سلوكهم، وأعتقد أن جلالة الملك عبدالله الثاني فعل كل المطلوب، وقدم لنا نموذجا يجب علينا أن نحترمه ونحاول تقليده، لعلنا نقدم رواية أخرى مفهومة لاحترام القانون وسيادته، بغية الوصول الى تلك الحالة الراقية من التفاعل في الوظيفة العامة والخاصة وفي المجتمع وتفاصيل حياته اليومية.

قد يكون هذا هو الطريق الآخر لإرساء أخلاقيات عجزت عن إرسائها القوانين والتشريعات، وهذا ما يجب أن نرصده ونتحدث عنه، فالقصة ليست مجرد «تقليعة» أو «موضة»، بل هي قيم راقية تؤكد أهمية التحضر والتمدن واحترام الذات قبل احترام المهنة والقيام بالواجبات، وتوضح أن الهمّ الأردني هو الحفاظ على منظومة قيم راقية عرفها الجميع، عن النظام السياسي الأردني وتقدميته في الطرح، وثباته على الأخلاق الحميدة.

الدستور
تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير