jo24_banner

"تطوير الثانوية العامة"

د. محمد أبو غزلة
جو 24 :
كتب: د.محمد أبوغزلة - مدير إدارة التخطيط والبحث التربوي سابقا - 

تؤدي المنظومة التعليمية دورًا أساسيًّا في تحقيق أهداف التنمية الشاملة بشكل عام والتنمية البشرية بشكل خاص؛ بهدف الارتقاء بمختلف معطيات ونواتج التنمية، ذلك لأن الإنسان هو هدف التنمية ووسيلته، ويعد ملف الثانوية العامة من أكثر الملفات التي تحتاج دراسة متأنية؛ لخطورة أثر هذا الملف في مستقبل الطلبة بوصفه المحطة الأخيرة لتحديد مساراتهم المستقبلية، وهو الأساس الذي يتم الاعتماد عليه للقبول في الجامعات، نظرا لغياب البدائل والأسس الأخرى في القبول الجامعي والذي يفترض أن تتولى الجامعات مسؤولياتها عنه، وفي ظل هذا الاحجام من الجامعات عن تولي مثل هذه المسؤولية.

فقد قامت وزارة التربية والتعليم خلال هذا العام وضمن رؤية استشرافية علمية وتربوية تشاركية بتولى مسؤولية تطوير هذا الامتحان، ويما يتواءم مع توصيات الإستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية، وترجمة لذلك قامت الوزارة بتشكيل لجنة لتطوير الثانوية العامة من قامات تربوية وطنية تمثل وزارتي التربية والتعليم، والتعليم العالي والبحث العلمي ،ولجنتي التربية في النواب والأعيان ونقابة المعلمين وأساتذة الجامعات والخبراء المختصين، ويعقد الأمل عليهم في إخراج أنموذج تربوي يحقق الأهداف المنشودة من هذا التطوير، ولأن عملية تطوير الامتحان عملية علمية يجب أن تمر بمراحل متعددة ظهرت بعض بوادرها الإيجابية على أداء الطلبة في الدورتين الآخرين وعلى ارتياح المجتمع ككل، وأسهمت في نزع فتيل أزمات عدة عاشها الطلبة وأولياء الأمور والمجتمع ، وكانت ستهدد وتقوض الانجازات التي تحققت لا قدر الله من قبل فئة قليلة من هؤلاء الطلبة الذي حرموا من فرصة التعليم وألقي بهم إلى الشوارع جراء إجراءات سياسات فردية انتقامية اندرجت تحت عباءة إعادة هيبة الثانوية العامة ، إضافة إلا أن إجراءات وزارة التربية والتعليم سابقا قد تجاوزت أهداف ضبط الثانوية العامة إلى استهداف الطلبة وتعجيزهم وتقليل خياراتهم، وتعقيد الأمور عليهم لخفض نسب نجاحهم، علما بأن هذا الانخفاض ليس مؤشرا على ضعف الطلبة بل على عقم الفكر وراء عملية التقويم التربوي الذي يتبناه الفرد ، ويشير أيضا إلى أن النظام التعليمي لم يقدم تعليما جيدا للطلبة ولم يؤهلهم للنجاح في الامتحان، وعليه ولأن هناك عمليات ومجالات متعددة لتطوير الامتحان لا زالت غير مكتملة وتسير بخطى واثقة، ويتابع العديد منا بعض ما تم التصريح به، ولحرصنا وقناعتنا بأهمية تطوير الامتحان،فإنه من الواجب دعم هذه التوجهات ، وذلك بتقديم الرأي الذي يسهم في هذا التطوير المنشود حتى تتم العناية بهذا التطوير وإعادة التفكير في الموضوعات المرتبطة في عملية التطوير لضمان نجاح هذا التطوير ، ولعل وجود خطاب إعلامي تربوي متخصص ، وعدم تضارب التصريحات بين المعنيين في التعليم العالي والتربية والتعليم وعد الاكثار من التصريحات في المراحل الأولى لعملية التطوير الجارية والتي لم تكتمل بعد لتقليل من إرباك الشارع والمجتمع الأردني الذي ينتظر أي قرار يتعلق بالتربية والتعليم ناهيك عن قطع الطريق على التوجهات لبعض المقاومين للتغيير أو أصحاب الأجندات الموجهة من خارج الوزارة أو ضعيفي الكفايات لإفشال أية جهود تبذل للارتقاء بالنظام التعليمي ، لذا فإن الأمر يستدعي توحيد هذا الخطاب ومأسسته.

وعليه، وفي ضوء ما نشر أو صرح به فإنني أدعو المعنيين بعملية التطوير الأخذ بعين الاعتبار هذه الملاحظات والتي أصبحت تشكل حالة من التوتر والقلق وتثير تساؤلات عدة من المعنيين في الميدان التربوي ومن الواجب الاستماع لوجهة نظرهم ومشاركتهم في هذا التطوير من خلال تشكيل لجان فرعية تضم تخصصات متعددة من المعلمين، كما أنه من الضروري الاستماع إلى الطلبة وأولياء امورهم والتربويين والمهتمين حتى تتم الإجابة على استفساراتهم، وملاحظاتهم، والتي اعتقد انها ليست غائبة عن فكر معالي الوزير واللجنة ومنها:

- دراسة إمكانية إعادة النظر في قرار عقد الامتحان لمرة واحدة العام القادم وتأجيله للعام الذي يليه، ودراسة إمكانية تنفيذه ومدى الاستعداد له، ومدى توافر كل متطلبات نجاحه، لاسيما أن قرار تنفيذه مرة واحدة في العام يحتاج لمزيد من الوقت، بهدف توفير متطلبات نجاحه، من حيث إقرار مواده ،وتطوير جوهر ومحتوى الامتحان وأشكاله إضافة إلى آليات تنفيذه ، وللتكامل أيضا مع تطوير واعتماد محطات تقيمية للمراحل التعليمية السابقة لتفادي النسب العالية من الراسبين والمتسربين في الثانوية العامة، وليس بالضرورة الإلتزام بالاطار الزمني الذي حدد في الاستراتيجية الوطنية لتنية الموارد البشرية على حساب الوقوع في مشكلات يمكن تجاوزها بمزيد من الوقت

- المواءمة بين ما طرح من قبل المركز الوطني للمناهج حول تاليف كتب العلوم والرياضيات أو احضارها من شركات عالمية ، وبين العمليات المطلوبة في حال اقرار ذلك من ترجمة وتكييف هذه الكتب وأردنتها إذا كانت تحتاج إلى ذلك وتدريب المعلمين ، ناهيك عن عملية طرح العطاءات والطباعة والتوزيع والزمن المتبقي ونحن على أبواب منتصف الفصل الدراسي الثاني .

- إعادة النظر في موضوع المواد التي ستقرر لطلبة الثانوية العامة في الفرعين العلمي والأدبي وفي المسار المهني، من حيث أسماء المواد المشتركة لطلبة العلمي والمهني وأهميتها لهذين الفرعين في المستقبل، إضافة إلى مدى تمكين الطلبة من دراسة التخصصات العلمية أو المهنية على الرغم من أن جلها مواد إنسانية .

- إعادة النظر بجميع المواد الاختيارية، وخاصة في الفرع العلمي فمن المهم لطلبة العلمي بغض النظر عن المسار التخصصي في الجامعات داخل الأردن وخارجها أن يأخذوا جميع المواد العلمية وأن لا تكون اختياريه لا سيما أن بعض الجامعات في الخارج لا تقبل الطلبة في تخصصات الطب والهندسة والصيدلة والتخصصات العلمية كافة، إذا لم يكن الطالب قد درسها، إضافة إلى أن الطلبة سيختارون المواد الأسهل لهم مثل :علوم الأرض والاحياء أو الحاسوب، ويبتعدون عن مواد الفيزياء والكيمياء والأحياء أو يختارون مادة الحاسوب بدل اللغة العربية/تخصص في الفرع الأدبي،وإن ارتبطت بمسارات التخصصات في الجامعة، مما يستدعي التصريح حول ذلك وتوعية الطلبة به، كما أن هناك تجربة سابقة للمواد الاختيارية، إلا أنها لم تنجح لأسباب عدة، ويجب تحليلها وتحديد هذه الأسباب لتفاديها.

- ضرورة التوفيق فيما لو تم إقرار المواد الاختيارية مع خطة التشكيلات المدرسية التي من المنتظر مناقشتها خلال هذه الفترة مع الميدان التربوي، مع علمي الأكيد حرص الوزارة على توفير المعلمين حتى ولو كان عدد الطلبة المسجلين في هذه المواد قليل، مع العلم بأن بعض المدارس يتوفر فيها صفوف أقل من الثاني عشر ويمكن تدريس هذه المواد.

- إعادة التظر في الخطط الدراسية للمرحلة الأساسية العليا والمرحلة الثانوية لغايات توجيه الطلبة للتعليم المهني وتوزيعهم في حال الاستمرار في المسار الأكاديمي والمهني وصولا إلى تطوير الثانوية العامة بشكل شمولي.

- نتائج طلبة الثانوية العامة ترتبط بعدة متغيرات، فكيف للطلبة أن يتنبأوا بمعدلاتهم، ومن يضمن للطلبة الذين اختاروا المواد الإجبارية دخول كلية الطب مثلا ولم يحققوا المعدلات المطلوبة، وبالتالي سيكون هناك فائضا كبيرا منهم سيتوجه إلى تخصصات الهندسة مثلا وبالتالي خلل في اختيارات الطلبة واستيعاب التخصصات لهؤلاء الطلبة.

- إعادة دراسة جدوى اختيار عدد قليل جدا من الطلبة لأي مادة اختيارية ولم يتوفر لها معلم مثل الفرنسي مثلا، وسجل عدد (15) طالب فقط لمادة الفيزياء وهناك (3) معلمين في هذه المدرسة ،فكيف يمكن تلبية رغبات الطلبة؟وكيف يمكن استثمار المعلمين؟، وهل يمكن نقل المعلمين والطلبة لمدارس أخرى؟ ناهيك عن ردود فعل المعلمين ودافعيتهم للعمل في حال عدم اختيار المواد التي يدرسونها، وعدم تحقيق رغبات الطلبة، وعليه، فإن عملية استثمار وتوجيه المعلمين الذين لن يتم اختيار موادهم في الثانوية العامة أمر في غاية الأهمية،

وكذلك موضوع النجاح الوزاري في المادة الثالثة من المواد الاختيارية، فمن هو الطالب الذي سيلتزم بحضورها ، وما جدوى تسجيلها من قبل الطالب وصرف بعض الوقت والجهد عليها وهو يعرف بأنها لا تحسب في المعدل، وما مدى تأثير هذا الطالب وغيره على أقرانه المسجلين لها كمادة أساسية.

- إعادة دراسة عدد المواد في الفرع المهني الذي لم تعدل خطته ولم يكن هناك أي توضيح حوله، وكيف يمكن تحقيق العدالة بين طلبة هذا المسار من حيث عدد المواد وطبيعتها وقدراتهم مقارنة بطلبة المسار الأكاديمي( العلمي والأدبي).

-إعادة النظر في موضوع تحويل بعض الموضوعات في المواد الدراسية إلى مطالعات ذاتية بسبب متغيرات عدة منها، أن الامتحان سيقدم لمرة واحدة بمعنى لن يكون هناك امتحانات تجربيبة في الفصل الأول ولن يكون هناك غياب لطلبة الثانوية العامة لشهر قبل بدء الامتحان في الفصل الأول، وسيقتصر ذلك على نهاية العام، إضافة إلى أن عمليات حذف الموضوعات في عام 2016 ،وإرجاع نسبة منها لم يراقفها تخفيض في عدد الحصص، وبالتالي سيكون هناك وقت من الفراغ لدى الطلبة والمعلمين يولد مشكلات عدة، ولا أعتقد أن موضوع كهذا سيحل من خلال إتاحة الفرصة للطلبة لممارسة نشاطات تربوية أخرى لإشغال هذه الحصص، وعليه فإن هناك أهمية لدراسة هذا الموضوع بحيث يصار إلى تطوير الكتب المدرسية بشكل شمولي بدلا من الاتكاء على تحويل بعض الموضوعات إلى مطالعة ذاتية.

- دراسة كيفية تغطية المواد الدراسية التي كانت تدرس على فصل دراسي واحد من حيث الموضوعات وعددها وعدد حصصها والموضوعات للعام الدراسي كاملا والتي سبق وأن تم استبعاها لغايات تكييفها على فصل دراسي واحد ، الأمر الذي يتطلب أيضا تدريب المعلمين على اية موضوعات جديدة لم يتدربوا عليها سابقا.

-إعادة النظر في أوزان المواد الدراسية وعدد حصصها وأهميتها وعدد موضوعاتها.

- البدء بإعداد خطة مرحلية لتطوير الكتب المدرسية مبنية على الرؤية الشمولية لعملية تطوير امتحان الثانوية العامة وخاصة للمرحلة الاساسية العليا والمرحلة الثانوية.

ومن هنا فإنني أقترح ما يلي:

-الاقتراح الأول: أن يتم إعادة النظر بالخطط الدراسية للصفين العاشر والحادي عشر لتضمنيها بعض المواد المشتركة للفروع كافة من مواد الصف الثاني عشر ، بحيث يدرس طالب الفرع العلمي في الصف الحادي عشر المواد العلمية جميعها ويستكمل الدراسة فيها في الصف الثاني عشر ، والحال نفسة لطالب الفرع الأدبي أو المهني، وبالتالي إلغاء موضوع المواد الاختيارية والمواد التي يتم دراستها ولا تدخل في المعدل، واعتبارها إجبارية للعام القادم شريطة أن يرافق ذلك تطوير بنائي للكتب المدرسية في الصفين الحادي عشر والثاني عشر وبالتالي فإننا نضمن طالبا معد إعدادا سليما لما يمتلكه من الكفايات والمهارات التي تمكنه من الالتحاق والإبداع في التخصص الذي سيدرسه في الجامعة ، كما أنه سيحل مشكلة المواد التي تدرس في الصف الحادي عشر التي يرتبط معظمها بمواد الثاني عشر، ويسهم في التزام الطلبة بالدوام المدرسي في هذا الصف الذي شكل مصدر قلق للإدارات المدرسية والمعلمين .

-الاقتراح الثاني: أن يتم تدريس مواد الحاسوب والتاريخ والثقافة الاسلامية والجغرافيا واللغة الفرنسية ، وعلوم الأرض في الصف الحادي عشر أو قبله، وبذلك يتحقق الهدف منها، فالطالب الذي لم يتمكن حتى الصف الحادي عشر من معرفة تاريخ بلده أو معرفة عقيدته أو اتقان مهارات الحاسوب أو محيطة وموقعه الجغرافي وغيرها فإنه لن يتمكن منها، إلا إذا أدخلت في امتحان الثانوية العامة في الصف الثاني عشر، وفي ظل أن الامتحان لا يغطي المرحلة كاملة ولغاية الآن وكما ورد في القانون، ولكنه امتحان لصف واحد وهو الثاتي عشر على الرغم من الإشارة إلى إجراء وزارة التربية والتعليم ممثلة بإدارة الامتحانات والاختبارات امتحانًا عامًا للطلبة في مناهج التعليم الثانوي الشامل، تمنح الناجح فيه شهادة الدراسة الثانوية العامة مُبَيَّنًا فيها نوع التخصص استناداً إلى المادة (29) من قانون التربية والتعليم رقم (3) لسنة 1994م.

- الاقتراح الثالث: وهو المطروح حاليا من حيث تحديد عدد المواد الدراسية بـ (7) مواد من ثقافات مثتركة اجبارية للجميع ومواد اجبارية حسب المسار ومواد اختيارية في الفروع كافة، على أن يتم إجراء التعديل عليه بإدخال مواد (الفيزياء والكيمياء والأحياء) كمواد إجبارية بغض النظر عن المسار في التخصص الجامعي بحيث تكون إحدى هذه المواد بديلا لمادة تاريخ الأردن في الفرع العلمي ، وأيضا مواد: عربي تخصص اللغة العربية / تخصص والتاريخ، والجغرافيا للفرع الأدبي التخصص كمواد اجبارية أيضا لطلبة الفرع، أما باقي المواد ( الحاسوب وعلوم الأرض واللغة الفرنسية) يتقدم بها الطالب للنجاح الوزاري ولا تدخل في المعدل.

إن لجنة تطوير الثانوية العامة التي تضم نخبة من أعضاء مجلسي النواب والأعيان أعضاء مجلس التربية والتعليم ومن وزراء التربية والتعليم السابقين ومن المختصين في الجامعات قد أسهمت في رسم الملامح العامة لعملية التطوير ، وأتمنى أن لا تدخل في التفاصيل على الرغم من انها مكلفة بوضع ورقة تغطي جميع المجالات المتعلقة بتطوير امتحان شهادة الدراسة الثانوية العامه، لكن ومن وجهة نظري فإن مهامها ستكون أكثر فعالية إذا ركزت أكثر على رسم الملامح الرئيسة لعملية التطوير التي تتفق مع توجهات السياسات التعليمية ومخرجات النظام التعليمي، وما تضمنته توصيات الإستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية، وأن يترك للمختصين في الميدان التربوي من المعلمين والمشرفين وغيرهم من أصحاب الخبرة تشكيل لجان فرعية من التخصصات كافة لضمان تحملهم المسؤولية والمشاركة في عملية التطوير.
 
تابعو الأردن 24 على google news