jo24_banner

ابو غزلة يكتب: نهج السياسات الحكومية الطاردة للمواطن الأردني المقيم والمغترب

د. محمد أبو غزلة
جو 24 :
مر المواطن الأردني عبر تاريخ الدولة بظروف اجتماعية واقتصادية صعبة، بدأت بنزوحه الداخلي أو اغترابه وهجرته من الريف أو البادية إلى المدينة أو تهجيره خارج الوطن بدوافع مختلفة، منها البحث عن سبل العيش الكريم نتيجة الفقر وقلة الموارد وغياب سياسات التنمية الحقيقية في مجالات الحياة كافة، والتي أدت إلى ارتفاع مستوى البطالة، وعدم توفر فرص العمل، وتدني مستوى الرواتب مقارنة بمستوى الإنفاق نتيجة الضرائب وارتفاع الأسعار، الأمر الذي تسبب بتضخم الديون والتضييق عليه. كما أن الحكومات المتعاقبة تبنت سياسات ممنهجة أسهمت في إضعاف قيم الولاء والانتماء للمواطن المقيم والمغترب، وأدت إلى تدمير الاقتصاد، وانتشار الفساد والكسب غير المشروع، وقد سنُّـوا وسخَّروا قوانين الضرائب والاستثمار وغيرها لخدمة المتغولين من أصحاب النفوذ في الدولة، واستطاعوا توجيهها لتحقيق مصالحهم، كما تبنوا سياسات أضرت بالمواطنين والتجار والشركات والمؤسسات الوطنية الأجنبية، ومارسوا الضغوطات وأساليب الخاوات على المستثمرين من الداخل والخارج، ونتج عن ذلك إغلاق العديد من الشركات ورحيل الكثير من المستثمرين الوطنيين من المغتربين والمقييمين، والأجانب، ناهيك عن الإصرار في تبني سياسات التهجير القسري للمستثمرين المغتربين، والإقصاء لأصحاب الكفاءات والرأي والتضييق عليهم، والظلم وغياب العدالة وسيطرة تبادل المصالح والتنفيعات كنهج متوارث للحكومات المتعاقبة أدى إلى هيمنة الفاسدين على مكامن الدولة ومراكز صنع القرار فيها.

ما يثير الرهبة والدهشة والاستغراب ما صرح به دولة رئيس الوزراء الاقتصادي المعروف عندما استقبل رئيس وأعضاء إدارة جمعية سيدات ورجال الأعمال الأردنيين المغتربين، وهو أن دولته وفريقه وجمعية رجال الأعمال الموقرين بحثوا سبل دعم الاقتصاد الأردني، ولا أعرف إن كانوا قد تطرقوا إلى حجم المساهمة السنوية المعروفة أو تم نكرانها؟ أو عرجوا على السياسات التي يتم التعامل مع المغتربين في ضوئها، والمنطلقة من النظرة السائدة والمترسخة لدى الساسة والمشرعين وغيرهم بأن المواطنين المقيمين والمغتربين ضعيفو الولاء والانتماء لوطنهم ويحدد بقدر ما يتم دفعه من ضرائب، وأنهم بقرة حلوب يجب أن يتم استغلالهم، والتنكيل بهم بدلاً من تعزيزهم والاهتمام بهم كمواطنين أردنيين منتمين أصيلين يفتدون وطنهم بكل ما يستطيعون، والنظر إليهم كرافد من روافد الاقتصاد من خلال التحويلات المالية التي تتم وبشكل شهري إلى ذويهم؛ لتحسين سبل عيشهم والمساهمة في تحسين البنية التحتية وفي الاستثمار، أو كدافعي ضرائب لوطنهم ملتزمين ومتحملين مسؤولياتهم الوطنية تجاه وطنهم على الرغم من عدم استفادتهم من الخدمات المقدمة للمواطن المقيم، وهل تطرقوا أيضًا لماذا عندما تسن التشريعات تخصص لهم نسب قليلة لا تصل إلى النسب التي تخصص لغير الأردنيين الذين يستفيدون من التسهيلات والإعفاءات والتسجيل في الجامعات وغيرها؟. وهل تذكر دولته طرح السؤال على نفسه ووزير الخارجية للمغتربين الذي كان مغتربا لفترة غريبة ماذا قدمنا للمغتربين تجسيدا لأسم هذه الوازرة؟ غير الإجابة المكرورة في أحداث الزلازل والبراكين بأن الأردنيين بالخارج بخير، وهل سأل دولته وزيره عن تقصير السفارات مع المغتربين وأخرها ما حدث مع الطالب الأردني في تركيا؟، وهل وجه دولته المعنيين بمراجعة السياسات التي هجرت المستثمرين الوطنيين والأجانب كافة، وخاصة التي فرضها سلفه على المغتربين والقاضية بتحصيل أموال على قدوم المغتربين بسيارتهم خلال الإجازة الصفية وتقليص مدة السماح بالإجازة السياحية، وربطها بزيادة رسوم التحصيل، علما بأن الإجازة الصيفية للمغتربين تستزف كل توفيرهم؟

وهل تطرق دولته ورئيس وأعضاء الجمعية للتسهيلات والامتيازات التي تقدم للمغترب ولأفراد أسرته من فرص متساوية بالتعليم والصحة، واعتماد سنوات الخدمة خاصة للعاملين في القطاع الحكومي الذين تستوفى منهم كل الاقتطاعات كما أنهم على رأس عملهم، إضافة إلى التسهيلات والإعفاءات الجمركية على الأثاث واقتناء السيارات بعد عملهم مدة (5) سنوات في الدول الأخرى؟، وهل اعترف دولته بما يقدمه المغتربون من تحويلات مالية لوطنهم بلغت أكثر من (4،5) مليار دينار سنويًّا تقريبا، ومساهمتهم في ما يقارب من( 11% ) من الناتج المحلي الإجمالي، وأن الأردن يحتل المرحلة الرابعة عربيا في التحويلات حسب الإحصاءات الرسمية وحسب والتقارير الدولية؟، وكذلك المسح الذي أجراه منتدى السياسات للمغتربين في دول الخليج العربي والذي كشف عن أن 67% من المغتربين الأردنيين يقومون بتحويل أموالهم، وأن 33% منهم لا يحولون أموالهم لأنهم من العمالة المتوسطة والتي تكاد تكفي رواتبهم للعيش في هذه الدول وقبلوا بها عوضا عن ضنك العيش في الأردن لعدم توفر فرص العمل لهم ؟، وهل فكر دولته في أثر ذلك في الاستثمار بالبنى التحتية وقطاعي الإنشاءات والإسكان، ورفع مستوى المعيشة، وتخفيف الضغط على سوق العمل المحلي؟، وهل أقر دولته بأن التحويلات المالية السنوية للمغتربين تتجاوز في الأغلب التدفقات المالية الناجمة عن الضرائب والاستثمار الأجنبي المباشر، بل وتجاوزت المساعدات من الدول المانحة؟، وبأنهم ساهموا في استقرار حساب الدولة الجاري وموازين المدفوعات، وزيادة الاحتياطات الأجنبية والتصنيف الائتماني للاقتراض، إضافةً إلى توسع قاعدة الودائع واستقرار أسعار الصرف ودعم سيولة القطاع المصرفي؟.

وهل فكرت الدولة والحكومة بحال الموطن الأردني المقيم والمغترب وما يتعرض له في الداخل وفي الخارج بسبب غياب الرؤية السياسية عند الساسة والمخططين في بناء العلاقات والتمرجح في المواقف واللعب بالأوراق والتي باتت مكشوفة ولم تعد تجدي نفعًا، وخاصة في ظل الاستقطابات السياسية التي تتبناها الدول لمصلحة شعوبها واستقرارها، لا من أجل تمجيد ساستها كما يحصل لدينا.

إن استمرار هذا النهج في السياسات يا ساسة سيؤثر في المواطن الأردني المقيم والمغترب في المستقبل وبشكل كبير ، وبدأت مؤشراته واضحة والمتمثلة في عودة بعض المغتربين أو إحجام بعض الدول عن طلب العمالة الوافدة رغم قناعاتهم بمهنيتهم وحرفيتهم العالية، نعم لقد أصبح المغترب الأردني جراء السياسات الممنهجة والمتبعة في وطني يتعرض لاغتراب داخلي وخارجي، وأصبحت بعض الدول تنتهج سياسات التضييق كردة فعل على السياسات والنظرة القاصرة للسياسيين والمخططين لدينا، وبدأت أشكال التضيق تتوسع لتشمل المعتقدات الدينية والعرقية والآراء السياسية وحرية التعبير وحرمان الموطن وأفراد أسرته من حقوقه الأساسية بالتعليم والصحة، والتي حرم أصلًا منها في وطنه السياسات الطاردة ومنها سياسات القبول الجامعي مثلا والنظرة الاستغلالية له من القطاعات كافة، وأصبح المواطن الأردني يدفع ضرائب مادية ومعنوية مضاعفة في وطنة ووطن الاغتراب.

نعم لقد آن الأوان لأن تدرك الحكومة أن الاغتراب والهجرة أو التهجير الذي تعرض له المواطن الأردني وخاصة من المستثمرين الوطنيين أو من أصحاب الكفاءات في المجالات كافة ومنها العقول الاقتصادية الأردنية قد استثمرته الدول التي تحتضنهم وساهم في تقدم ونماء الكثير منها في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة، ووفرت لهم من بيئات مستقطبة معززة لقدراتهم ومهاراتهم وموفرة لهم سبل العيش الكريم إضافة إلى الاحترام والتقدير من مؤسساتهم ومن المجتمع، في الوقت الذي لم يتم توفيره لهم الأردن في ظل الهيمنة من طغم الفساد المسيطرة والمتفشية في مؤسسات الدولة والتي أدت إلى تفريغ الدولة من الطاقات وهجرة العقول بدلًا من أن تستفيد منها في بناء المجتمع ونهضته.

لكن ما يبدو أن الحكومة لم تفكر بهذا، بل غلب على تفكيرها تبني النهج الاقتصادي المتوارث نفسه والمعتمد على فرض الضرائب على المواطنين في الداخل والخارج؛ لأنه الطريقة الأنجع للتغطية على فشل خططهم ونهجهم الاقتصادي، كما لم تفكر الحكومة بجحم ونوعية مساهمة أكثر من مليون أردني مغترب في رفعة الوطن بدرجة لا تقل عن ممن هم على أرض الوطن الذين يشاطرونهم الهموم والمسؤولية، على الرغم من اغترابهم أو حتى تهجيرهم القسري، وعدم قدرة الدولة على استثمارهم أو حتى منحهم الاهتمام الذي يستحقونه لا في الداخل ولا حتى تنأى بسياساتها القاصرة عنهم في الخارج، ولم تفكر بتهيئة فرص الاستثمار المناسبة لهم وخاصة أن نسبة كبيرة منهم يتمتعون بخبرات تعليمية وصحية وخبرات اقتصادية ومالية واستثمارية متميزة، ولديهم نجاحات ومشاريع تعليمية واقتصادية ناجحة في أماكن عملهم، بسبب ما وفرته لهم الدول التي يعملون فيها لهم من فرص الاستثمار التي تنعكس على أداء القطاعات كافة، وبالتالي تقدم الاقتصاد.
 
وعليه فعلى الحكومة وأجهزتها أن تعود لرشدها، وتعيد التفكر بسياساتها الحالية، التي أصبحت تؤثر في استقطاب عمالتها، والتفكير في مصلحة شعبها، لا في مصلحة تمجيد المواقف والأشخاص، وأن تفكر بشكل استراتيجي وتبني سياسات في استثمار الموارد البشرية واستقطابها والحفاظ عليها لتحقيق التنمية المنشودة بسياسات تنمية مستدامة حقيقة والتخلي عن نهج الجباية والعناد والتطنيش والمراوغة في تحقيق مطالب الناس ، وتبنى سياسات لإشراك المغتربين واستقطابهم لضمان استمرار التحويلات من خلال التسهيلات والحوافز والامتيازات، والاستفادة من تجارب الدول التي نجحت في دمجهم، وتحملوا مسؤولياتهم تجاه أوطانهم، والتي أسهمت في تقوية وتعزيز علاقة المغتربين بأوطانهم لأن مثل هذه السياسات ستشجعهم على ضخ واستثمار أموالهم في بلدانهم؛ إذ إنَّ التراجع في ذلك يسبب مشاكل اقتصادية واجتماعية أساسية في المجتمع، من هنا فعلى الحكومة التخلي عن نهج التفكير بفرض الضرائب على المواطن في الداخل والخارج، والمسيطر على عقلها، فالشعب والمواطن الأردني المقيم والمغترب يا ساسة أكثر الشعوب تعلقًا بوطنه وبأرضه، ولا يرضى بديلا عنه، ومستعد لتحمل مسؤوليته الوطنية بكل ما يملك من النفس والمال لو توفرت القناعة لديه بأنه ما يدفعه للوطن سيذهب لتنمية الوطن لا لجيوب الفاسدين، ولن يتخلى يومًا عن وطنه.
 
تابعو الأردن 24 على google news