الثقة الرابعة
هذه رابع حكومة تعرض نفسها للثقة على مجلس النواب الحالي وعمره لايتجاوز سنه ونصف! بل سيكون لدينا حكومة خامسة اذا حل المجلس هذا العام ! رقم قياسي يستحق التأمل أليس كذلك؟!
اذا ابتعدنا بالعدسة قليلا لتستوعب المشهد بكليته فالأمر يرتبط حتما بالربيع العربي والحراك العام من اجل الاصلاح. وتغيير الحكومات المتواتربمعدل حكومة كل عام ظاهرة معروفة في الأردن وتمثل آلية بديلة لامتصاص التوترات والأزمات والضغوط وتدوير المناصب. فكل حكومة تصبح بعد بضعة اشهر من تشكيلها يتيمة وسط بحر من المناوئين هم عمليا كل الموجودين خارجها من الفئات والشرائح والأشخاص الطامحين لتجديد فرصهم. وهؤلاء يمثلون المعارضة المكتومة والفعّالة التي تخلق مناخا مسموما حول الحكومة ينهكها بالنقد الهامس والتشريح ونشر الشائعات في المجالس والصالونات. وهذه هي الآلية المكرسة للمنافسة وتجديد الفرص في ظلّ غياب آلية ديمقراطية للتداول على السلطة التنفيذية عبر المساجلة الصريحة في وسائل الاعلام للبرامج والسياسات والاحتكام في النهاية الى صناديق الاقتراع .
هذه الآلية المأزومة لادارة الحكم هي هدف التغيير الاصلاحي المنشود، لكن الذي حصل اننا لجأنا في مواجهة الحراك الشعبي والضغوط من اجل التغيير الى هذه الآلية نفسها، أي تغيير الحكومات، بدل تغيير النهج. وانا شخصيا لم اكن متحمسا لتغيير أي حكومة منذ اول حكومة وجدناها امامنا في مجلس النواب المنتخب، فالقضية كانت تتعلق بالقرار ا السياسي لأخيرالذي يقع خارج دائرة المجلس الوزاري. والوزراء لا يعتبرون انفسهم اصحاب قرار سياسي بل موظفين تنفيذيين ينتظرون القرار السياسي الذي "يشترك" به الرئيس.
مع الربيع العربي وبعد ايام فقط من بدء الحراك الشعبي في الأردن تم اللجوء الى تغيير حكومة سمير الرفاعي ولم اكن سعيدا بهذا التغيير الذي نصحت به كثير من الشخصيات والفعاليات وتبنته الحركة الشعبية لأنني كنت أعرف انها الطريقة القديمة نفسها للهروب من التغيير السياسي الى التغيير الحكومي ومن العجيب ان هذه الآلية استمرت وحتى الساعة، ونخشى ان الانتخابات وتغيير مجلس النواب هي الورقة الأكبر بعد استهلاك عملية تغيير الحكومات ضمن الآلية نفسها.
ما الذي سيناقشه مجلس النواب في البيان الوزاري، وما الجديد لدى هذه الحكومة، وما قيمة التصويت على الثقة؟ لا شيء على الاطلاق. فالقضية كلها ليست هنا ولم تكن هنا مع كل البيانات الوزارية وتصويتات الثقة بالحكومات السابقة بما في ذلك الحكومة الأولى التي تم ترويحها بعد حصولها على 111 صوت ثقة!
وبيان الحكومة الحالية لا يقول شيئا عن القضية الجوهرية للإصلاح سوى تأكيد مهمة الحكومة في "تعبيد الطريق" الى الانتخابات النيابية وفق قانون يحظى بأعلى قدر من التوافق الوطني. وهذا لا يكفي. نريد تأكيدا حاسما ان هدف الانتخابات هو انهاء عصر الحكومات غير المنتخبة.