2026-01-12 - الإثنين
Weather Data Source: het weer vandaag Amman per uur
jo24_banner
jo24_banner

من الحقول الخصبة إلى الإسمنت والحديد والحجارة والفقر !!!

د. عبدالرزاق بني هاني
جو 24 :

 سأبدأ بعنوان الكابوس الذي يقض مضجعي، منذ ثلاثة عقود. وهو دولة تتآكل كانت مزدهرة. فقد كانت هذه الأرض يوماً شاهدةً على براعة الإنسان وكرم الطبيعة الوافر. تربتها الغنية والخصبة أمدّت أجيالها بالوفرة، بما لا تستطيع أن تزوده به كثير من الأمم الأخرى. كان الهواء يفيض بوعد المحاصيل التي تغذي الجسد والعقل معاً. وفيها ازدهر التعليم، وسعى الناس، الذين تغذوا بالصحة والروح معاً، نحو التميّز الفكري والمدني. هنا، كان رأس المال البشري جوهرة ثمينة؛ وكان كل مواطن يُصقل ويُنمّى كغصنٍ صغير يُروى بعناية، ليضمن الازدهار والاستقرار والتماسك الاجتماعي. وكان الأمن الغذائي، ذلك الركن الأساسي الذي غالباً ما يُغفل في كثيرٍ من دول العالم، شبه كامل. لقد كان الجوع شبحاً بعيداً، وذاكرةً منسية، بينما كانت الابتكارات والتعليم يقودان المجتمع في دورة فاضلة من النمو والتقدّم.

لكن قصة هذه الأمة تحذيرية؛ تحكي هشاشة الحضارات وفنائها، حتى ولو بدت قوية وصلبة. واليوم، يروي الواقع مشهداً مختلفاً تماماً. حيث كانت الحقول تمتد خضراء مترامية، أصبحت الأرض اليوم مستنزفة، باهتة، عاجزة عن إدامة المجتمعات المحلية التي كانت تعتمد عليها. الانحدار الزراعي، الذي ربما نجم عن الإهمال أو الاستغلال المفرط أو التحولات البيئية، مزّق نسيج المجتمع نفسه. الطعام، الذي كان يوماً وفيراً، صار يرزح تحت وطأة الندرة؛ والأمن الذي كان يغذي الجسد والروح، تحول إلى قلق، وتلاشى اليقين الذي كان يربط الإنسان بحياته ومجتمعه.

البعد الإنساني لهذا الانحدار أكثر مأساوية. فالصحة، التي كانت علامة على اعتزاز الدولة بنفسها، تتدهور تحت وطأة الإدمان المنتشر وأنماط الحياة التي تهدد الحيوية. أصبح التدخين بين الشباب أكثر من مجرد عادة؛ إنه رمز لليأس، وثورة صامتة على مجتمع يبدو عاجزاً عن منح غاية أو فرصة. والمخدرات القاسية، التي كانت يوماً غريبة أو محرّمة، تتغلغل اليوم في حياة الشباب بوتيرة مقلقة، ساطرةً وعودهم في ظلال الاعتماد والخطر. في هذا المجتمع، أصبح الشباب، وهم عصب المستقبل هم الضحايا ومرآة الانكسار الهيكلي في الوقت نفسه.

يتفاقم الانحدار الاجتماعي إلى البطالة، تاركاً عدداً لا يحصى من الشباب حملة الشهادات العلمية بلا هدف، منفصلين عن العمل ذو القيمة والمساهمة المجتمعية. الفقر لم يعد محصوراً في الهامش، بل يتسلل إلى فضاءات كانت محمية بالتماسك الاجتماعي. الأحياء تتصدع إلى جزر من الشك وعدم الثقة؛ الأسر تتكبد ضغوطاً اقتصادية، والخيوط الخفية التي كانت تربط المواطنين ببعضها تبدأ في التفكك. مجتمع كان مبنياً على غرض مشترك واستثمار جماعي يجد نفسه متفككاً، وكل فرد يكافح الواقع الثقيل من الفرص المحدودة والآفاق المتناقصة واللايقين السائد.

الأبعاد الفلسفية لهذا الانهيار عميقة. ماذا يعني أن تفشل دولة كانت تملك أدوات الازدهار والتنمية والتقدم؟ السؤال ليس مجرد مسألة موارد أو مؤسسات، بل مسألة حكمة وبصيرة. لقد جادل أرسطو بأن المدينة-الدولة موجودة لتنمية الحياة الطيبة، لا لإدارة البقاء فحسب؛ ومع ذلك، فإن هذه الدولة، بعد أن أتقنت فن البقاء، ترتجف اليوم لأنها أهملت تنمية الفضيلة والمرونة والحكمة. تآكل الأرض والصحة والفرص يعكس تآكل الرؤية الجماعية والاستشراف المجتمعي. فالحضارة، بعد كل شيء، لا تُقاس فقط بغنى المحاصيل، بل برعاية البشر واستدامة الممارسات وعمق الروابط الاجتماعية.

ومع ذلك، حتى في خضم هذا الانحدار، المستقبل ليس قبراً محتوماً. فغالباً ما تكمن بذور التعافي في الأزمات نفسها التي تبدو مهيمنة على المجتمع. الوعي والتعليم والتدخلات المدروسة يمكن أن تشعل شرارة التجدد. واستعادة القدرة الزراعية، وتنشيط الحملات الصحية العامة، والاستثمار في رأس المال البشري ليست مجرد سياسات؛ إنها واجبات أخلاقية. والدولة التي أظهرت يوماً قدرتها على تنمية التميز العقلي والجسدي تحتفظ في ذاكرتها الجمعية وبنيتها الاجتماعية بالقدرة على استعادته. فلسفياً، هذه دورة الحضارة نفسها: نمو، انحدار، تأمل، وتجدد. كما يمكن إصلاح التربة، يمكن للمجتمعات أن تعود للحياة؛ كما أن العادات يمكن أن تفسد، يمكن أيضاً إصلاحها.

لكن التحدي كبير. الطريق إلى الأمام يتطلب ليس الموارد والخبرة فحسب، بل أيضاً يقظة أخلاقية. على القادة والمواطنين على حد سواء مواجهة عواقب الإهمال، وفهم ترابط مظاهر الانحدار الاجتماعي، والإدراك أن الانغماس اللحظي أو اللامبالاة يؤدي إلى تآكل طويل الأمد. الإدمان والبطالة والفقر ليست ظواهر معزولة؛ إنها أعراض لانفصال أعمق عن الغاية والانتماء. لذلك، يجب أن يكون التعافي شاملًا، ويتضمن إعادة بناء الأرض، شفاء الناس، وإعادة صياغة البنية الأخلاقية والمدنية التي تقوم عليها الثقة والفرص والمصير المشترك.

عند تصور المستقبل، يمكن للمرء أن يتخيل مجتمعاً يولد من جديد، ولو كان مشوهاً بالجراح، وقد نقشت دروس الماضي بعمق في وعيه الجمعي. الشباب، إذا وجهوا وتم تمكينهم، يمكن أن يتحولوا من وكلاء لليأس إلى مهندسي التجديد. يمكن للحقول أن تعود خصبة من خلال الإدارة الدقيقة والحفاظ البيئي. والتعليم، الذي كان حجر الزاوية للتقدم، يمكن أن يصبح رافعة للتنقل الاجتماعي والتجديد الأخلاقي. ومع ازدهار رأس المال البشري مرة أخرى، قد يكتشف المجتمع أن أعظم قوته لم تكن يوماً في غنى التربة وحدها، بل في حكمة شعبه ومرونته وإبداعه.

في النهاية، مأساة هذه الدولة تحمل درساً، مفاده بأن الوفرة بلا بصيرة، والصحة بلا وعي، والموهبة بلا فرصة لا تضمن المستقبل. والحضارة، مثل الطبيعة، تتطلب رعاية وبصيرة والتزاماً بالتوازن الدقيق بين الحياة والعمل والأخلاق. ومع ذلك، حتى في الخراب، يظل الأمل حياً، لأن المجتمعات البشرية بطبيعتها قابلة للتجدد. ما فُقد يمكن أن يُبنى، وما تحطم يمكن أن يُصلح، وما بدا غير قابل للاسترداد يمكن استعادته، إذا تم فهم دروس الفشل واحتضانها بالكامل.

 

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير