نبش "قبور" الأحزاب..لماذا الآن؟
ناصر لافي
جو 24 : تعكف الحكومة على إعداد مسودة مشروع قانون جديد للأحزاب،يحاول بث الدماء في العروق المتيبسة للأحزاب الأردنية،وفقاً لتصريحات وزير التنمية السياسية والشؤون البرلمانية خالد الكلالدة.
لا احد يهتم ،لا الحزبيين ولا الرأي العام ،فالجميع يدرك تماماً بأن الحزبية وصفة للدخول إلى الكهف في الحياة السياسية هنا ،وإلى المجهول -حتى لا نقول السجن- على المستوى الفردي،بالإشارة إلى سلسلة من المضايقات تطال أغلب من ينخرط في هذه الأطر .
في المشهد السياسي الأردني لا دور محورياً للأحزاب،فالحظر غير المعلن عليها،لا يزال قائماً ،ويبدو أن الوصفة القديمة -الأمنية على الغالب- والتي لا تفضل وجود أحجار كبيرة تحمل برامجاً على رقعة الشطرنج الداخلية لم تتغير،وهنا يجدر التنويه إلى ان "الفيتو" يطال الموالين والمعارضين على حد سواء.
عملياً فالدلائل لا تعد ،فمن قانون انتخاب مجلس النواب الذي يرتكز على البعد الفردي وينحي الأحزاب جانباً،وما يشابهه من نسخ على مستوى الجامعات والجمعيات وبعض واجهات العمل المدني الذي تصله اليد الرسمية،الى التمثيل الخجول للأحزاب في الحكومة والبرلمان بشقيه وكذلك في مجالس الهيئات العامة وأمناء الجامعات والمؤسسات شبه الرسمية وصولاً إلى ندرة تواجد الحزبيين في كل مرافق الدولة حتى على مستوى مدراء المدارس.
أكثر من ذلك فليس فقط الأحزاب ممنوعة عملياً في الأردن ،بل فكرة التحزب أو التجمع أو التكتل ذاتها،فكم من حزب كبير أو مشروع تكتل حزبي أو نيابي أو تجمع لشخصيات عامة طامحة لخدمة بلدها تم تفتيته؟،وما هي مآلات كل المشاريع في هذا المجال بل والشخصيات النافذة التي فكرت بمثل هذا الأمر ،أنها النهاية ذاتها .
في أرشيف الحياة السياسية والحزبية كجزء منها،عشرات الأمثلة التي تدلل على أن فكرة وجود أجسام مدنية تستطيع الضغط لتحقيق برامج تتبنها "فاشلة" على أرض الواقع هنا في ظل سطوة السيف الأمني واسع النفوذ.
في الماضي،كان الحزبيون يفصلون من الوظائف ويزج بهم في السجون،تغير الحال الان يمكن أن يتواجد الحزبيون في الشوارع وفي قاعات الندوات وأحياناً في بعض المهرجانات الشعبية المحدودة ،لكن ليس أكثر من ذلك فالمنصات ذات التأثير الواسع كالمناصب العليا ووسائل الإعلام الرسمية مثلاً محرمة على مثل هؤلاء،اللهم الا في مناسبات قليلة ولأغراض تكميلية أو تجميلية.
ما يعانيه الحزبيون عندما يحرم ابناؤهم من المكرمة مثلاً في الجامعة أو عندما يقفون طويلاً بانتظار تعطف موظف على الحدود للسماح لهم بدخول البلد أو مغادرته أو عندما تتعطل مصالح أحدهم في الدوائر الحكومية درس بليغ يفهمه عامة الناس ويؤكد بأن زمن الأحزاب لا يزال بعيداً.
بالمقابل هناك من يتهم الأحزاب ذاتها بالضعف والتشتت والدوران حول شخص ما والإفتقاد الى البرامج بل يصل بعضهم الى اتهامها بالإنتهازية والمعارضة الهدامة وعدم الحرص على المصالح الوطنية ،ويستهجن البعض ومن بينهم الوزير الكلالدة حصول بعض هذه الأحزاب على 50 الف دينار سنوياً دون أن تقدم خدمات جليلة للوطن.
صحيح،بأن الواقع مرير ،ولكن من صنعه؟،وهل يا ترى سيختلف الحال لو باتت الأحزاب مأوى للكفاءات ورافعة حقيقية للحياة السياسية بحيث يصبح المرور بها متطلبا ضروريا للوصول الى موقع السلطة التنفيذية والتشريعية والمناصب العليا والمواقع الرئيسية في الإعلام والجامعات و..الخ؟
إذا كانت الإجابة نعم ،وهو ما حصل ويحصل في بلدان العالم التي تعتمد الديموقراطية ،فإن المسؤول عن تردي وضع الأحزاب هو ذاك من حاصرها وشيطنها ونفر الناس منها وحرمها من الوصول لتنفيذ أو تطوير برامجها.
وبشأن الجديد في القانون ، أكد الوزير خلال مناقشة اللجنة المالية لموازنة الوزارة الاسبوع الماضي بانه سينص على اباحة ترخيص الأحزاب ويتشدد في تمويلها، استنادا الى عدة معايير ابرزها نشاط الحزب ووجود اعضاء منه في مجلس النواب ومجالس النقابات.لكن اباحة ترخيص الأحزاب التي يبشر بها الكلالدة تتطلب إلغاء شرط انتساب 500 شخص من 7 محافظات، 10 في المئة منهم من النساء لتأسيس أحزاب جديدة،وهو ما لم تتضمنه المسودة.
أما بخصوص التمويل فليس من المنطق الإكتفاء بالمبالغ الزهيدة التي تصرف سنوياً على الأحزاب والتي ربما لا تزيد عن تكاليف واحد من الإحتفالات الرسمية العابرة،كما ليس من الحكمة مساواة الأحزاب ببعضها دون تمييز بينها من حيث الحجم والتأثير.
وهنا تجدر الإشارة بأن الأحزاب لا تزال وحتى في المسودة الجديدة للقانون تحت إشراف وزارة الداخلية،وليس هيئة مستقلة أو حتى وزارة العدل أو التنمية السياسية،وهو الأمر الذي يبقيها تحت سطوة المستوى الأمني.
بالمجمل فإن إعادة نبش "قبور" الأحزاب من خلال مناقشة القانون مناسبة تذكرنا بأن هذه الهياكل مجرد ديكور لا يريد علية القوم عندنا دفنه ولا يريدون أيضاً انبعاث الروح فيه .
أخيراً ،ولأن غياب الإرادة الجادة لتنمية الحياة الحزبية في الأردن بات واقعاً ولأن المستوى الأمني المرتبط بالسلطة لم يقتنع بعد بتغييره،فيبقى ان نتذكر بأن الإبقاء على الواقع الحالي مجرب ومريح وغير مكلف للسلطة لكن خطورته تكمن في عدم قدرة هكذا منظومة على توقع المفاجآت ولا الإستجابة لتفاعلات المجتمع وتدافع النخب فيها وإدارة الضغوط الشعبية ولا ضبط التغيير ولا التطوير والتقدم والازدهار والحاكمية الرشيدة،وأخيراً وليس آخراً عدم قدرتها على ضمان الإستقرار.
الحياة الحزبية الديموقراطية هي من أعظم إكتشافات إدارة الحكم على المستوى الإنساني وعبر التاريخ والتنكر لهذه الحقيقة والإصرار على بدائل اثبتت فاعليتها ظرفياً مجرد وهم يبدده ما جرى في المنطقة من ثورات مؤخراً.نعم يتفاوت الناس في تحليل الربيع العربي وربما يتناقضون في الموقف إزاءه ،لكنهم –على الأغلب- لا يختلفون بأن المسبب الرئيسي لها غياب اليات الحكم الرشيد،أي الحياة الديموقراطية الحزبية.
لا احد يهتم ،لا الحزبيين ولا الرأي العام ،فالجميع يدرك تماماً بأن الحزبية وصفة للدخول إلى الكهف في الحياة السياسية هنا ،وإلى المجهول -حتى لا نقول السجن- على المستوى الفردي،بالإشارة إلى سلسلة من المضايقات تطال أغلب من ينخرط في هذه الأطر .
في المشهد السياسي الأردني لا دور محورياً للأحزاب،فالحظر غير المعلن عليها،لا يزال قائماً ،ويبدو أن الوصفة القديمة -الأمنية على الغالب- والتي لا تفضل وجود أحجار كبيرة تحمل برامجاً على رقعة الشطرنج الداخلية لم تتغير،وهنا يجدر التنويه إلى ان "الفيتو" يطال الموالين والمعارضين على حد سواء.
عملياً فالدلائل لا تعد ،فمن قانون انتخاب مجلس النواب الذي يرتكز على البعد الفردي وينحي الأحزاب جانباً،وما يشابهه من نسخ على مستوى الجامعات والجمعيات وبعض واجهات العمل المدني الذي تصله اليد الرسمية،الى التمثيل الخجول للأحزاب في الحكومة والبرلمان بشقيه وكذلك في مجالس الهيئات العامة وأمناء الجامعات والمؤسسات شبه الرسمية وصولاً إلى ندرة تواجد الحزبيين في كل مرافق الدولة حتى على مستوى مدراء المدارس.
أكثر من ذلك فليس فقط الأحزاب ممنوعة عملياً في الأردن ،بل فكرة التحزب أو التجمع أو التكتل ذاتها،فكم من حزب كبير أو مشروع تكتل حزبي أو نيابي أو تجمع لشخصيات عامة طامحة لخدمة بلدها تم تفتيته؟،وما هي مآلات كل المشاريع في هذا المجال بل والشخصيات النافذة التي فكرت بمثل هذا الأمر ،أنها النهاية ذاتها .
في أرشيف الحياة السياسية والحزبية كجزء منها،عشرات الأمثلة التي تدلل على أن فكرة وجود أجسام مدنية تستطيع الضغط لتحقيق برامج تتبنها "فاشلة" على أرض الواقع هنا في ظل سطوة السيف الأمني واسع النفوذ.
في الماضي،كان الحزبيون يفصلون من الوظائف ويزج بهم في السجون،تغير الحال الان يمكن أن يتواجد الحزبيون في الشوارع وفي قاعات الندوات وأحياناً في بعض المهرجانات الشعبية المحدودة ،لكن ليس أكثر من ذلك فالمنصات ذات التأثير الواسع كالمناصب العليا ووسائل الإعلام الرسمية مثلاً محرمة على مثل هؤلاء،اللهم الا في مناسبات قليلة ولأغراض تكميلية أو تجميلية.
ما يعانيه الحزبيون عندما يحرم ابناؤهم من المكرمة مثلاً في الجامعة أو عندما يقفون طويلاً بانتظار تعطف موظف على الحدود للسماح لهم بدخول البلد أو مغادرته أو عندما تتعطل مصالح أحدهم في الدوائر الحكومية درس بليغ يفهمه عامة الناس ويؤكد بأن زمن الأحزاب لا يزال بعيداً.
بالمقابل هناك من يتهم الأحزاب ذاتها بالضعف والتشتت والدوران حول شخص ما والإفتقاد الى البرامج بل يصل بعضهم الى اتهامها بالإنتهازية والمعارضة الهدامة وعدم الحرص على المصالح الوطنية ،ويستهجن البعض ومن بينهم الوزير الكلالدة حصول بعض هذه الأحزاب على 50 الف دينار سنوياً دون أن تقدم خدمات جليلة للوطن.
صحيح،بأن الواقع مرير ،ولكن من صنعه؟،وهل يا ترى سيختلف الحال لو باتت الأحزاب مأوى للكفاءات ورافعة حقيقية للحياة السياسية بحيث يصبح المرور بها متطلبا ضروريا للوصول الى موقع السلطة التنفيذية والتشريعية والمناصب العليا والمواقع الرئيسية في الإعلام والجامعات و..الخ؟
إذا كانت الإجابة نعم ،وهو ما حصل ويحصل في بلدان العالم التي تعتمد الديموقراطية ،فإن المسؤول عن تردي وضع الأحزاب هو ذاك من حاصرها وشيطنها ونفر الناس منها وحرمها من الوصول لتنفيذ أو تطوير برامجها.
وبشأن الجديد في القانون ، أكد الوزير خلال مناقشة اللجنة المالية لموازنة الوزارة الاسبوع الماضي بانه سينص على اباحة ترخيص الأحزاب ويتشدد في تمويلها، استنادا الى عدة معايير ابرزها نشاط الحزب ووجود اعضاء منه في مجلس النواب ومجالس النقابات.لكن اباحة ترخيص الأحزاب التي يبشر بها الكلالدة تتطلب إلغاء شرط انتساب 500 شخص من 7 محافظات، 10 في المئة منهم من النساء لتأسيس أحزاب جديدة،وهو ما لم تتضمنه المسودة.
أما بخصوص التمويل فليس من المنطق الإكتفاء بالمبالغ الزهيدة التي تصرف سنوياً على الأحزاب والتي ربما لا تزيد عن تكاليف واحد من الإحتفالات الرسمية العابرة،كما ليس من الحكمة مساواة الأحزاب ببعضها دون تمييز بينها من حيث الحجم والتأثير.
وهنا تجدر الإشارة بأن الأحزاب لا تزال وحتى في المسودة الجديدة للقانون تحت إشراف وزارة الداخلية،وليس هيئة مستقلة أو حتى وزارة العدل أو التنمية السياسية،وهو الأمر الذي يبقيها تحت سطوة المستوى الأمني.
بالمجمل فإن إعادة نبش "قبور" الأحزاب من خلال مناقشة القانون مناسبة تذكرنا بأن هذه الهياكل مجرد ديكور لا يريد علية القوم عندنا دفنه ولا يريدون أيضاً انبعاث الروح فيه .
أخيراً ،ولأن غياب الإرادة الجادة لتنمية الحياة الحزبية في الأردن بات واقعاً ولأن المستوى الأمني المرتبط بالسلطة لم يقتنع بعد بتغييره،فيبقى ان نتذكر بأن الإبقاء على الواقع الحالي مجرب ومريح وغير مكلف للسلطة لكن خطورته تكمن في عدم قدرة هكذا منظومة على توقع المفاجآت ولا الإستجابة لتفاعلات المجتمع وتدافع النخب فيها وإدارة الضغوط الشعبية ولا ضبط التغيير ولا التطوير والتقدم والازدهار والحاكمية الرشيدة،وأخيراً وليس آخراً عدم قدرتها على ضمان الإستقرار.
الحياة الحزبية الديموقراطية هي من أعظم إكتشافات إدارة الحكم على المستوى الإنساني وعبر التاريخ والتنكر لهذه الحقيقة والإصرار على بدائل اثبتت فاعليتها ظرفياً مجرد وهم يبدده ما جرى في المنطقة من ثورات مؤخراً.نعم يتفاوت الناس في تحليل الربيع العربي وربما يتناقضون في الموقف إزاءه ،لكنهم –على الأغلب- لا يختلفون بأن المسبب الرئيسي لها غياب اليات الحكم الرشيد،أي الحياة الديموقراطية الحزبية.








