الحراك الشعبي والهدوء المؤقت
من الواضح أن طبقة السلطة في بلادنا قد ركبت رأسها. تتصرف وكأن الأمور كلها طبيعية ... فرضت على الناس موضوع الانتخابات وكأنه الطلب الرئيس ومحرك الحراك . ثم فرضت عليهم قانون الانتخابات مفصل تفصيلا ً دون أدنى اعتبار لكل ما قاله الناس وما يقولونه حول هذا القانون المرفوض . لسان حال الحكومة والحالة هذه كأنه يقول : الحكومة كأنها قافلة تسير والناس كأنهم كلاب تعوي، وعواء الكلاب يـُـسمع لكنه لا يمكن أن يعطل سير القافلة.
إذن هي هكذا... الحسبة هكذا ... مجرد عواء ، كل ما يدور بشوارعنا مجرد عواء ليس قويا ً مزعجا ً بل ينخفض تدريجيا الى مستوى الأنين أحيانا ً ... وربما ذلك هو ما شجع طبقة السلطة على الاعتقاد بأنها قد احتوت الحراك ... وأخمدت الأنفاس ، وهي معذورة إن اعتقدت ذلك، ليس لأنها على حق وصواب بل لأنها لا تعرف ... ولم تجد من يعرفها ... بل وربما لم تسمع لمن حاول أن يعرفها بأن الهدوء النسبي في شوارعنا أحيانا ً وتذبذب زخم الحراكات الشعبية أحيانا أخرى هي حالات من الهدوء الخفيف التي لا علاقة لها بحنكة طبقة السلطة وضعف قوى المعارضة بل لا علاقة لها على الإطلاق ربما بأية ظروف داخلية ، بل بظروف تتعدى الداخل الضيق لتصل إلى حدودنا الشمالية ، حيث تدور المعارك في سوريا الحبيبة وكأنها في شمال الأردن . فكيف يشغل الشعب الأردني نفسه في جبهتين بنفس الوقت ؟ إن سوريا يا طبقة السلطة هي شمال الأردن والأردن هو جنوب سوريا ومادام الدم العربي السوري أنهارا ً في دمشق وحلب وحماة ودرعا واللاذقية وحمص فلا راحة لأردني ، فللدم العربي حُرقة لا يخطئها حس ولا يغفل عنها عقل ، ولا ضمير، ولا تنام عليها عين ، فكيف تريد طبقة السلطة أن يتجاهل شعب الأردن العربي كل ذلك ؟ وينشغل بهمومه الخاصة التي يؤمن كل أردني أنها مقضية دون شك بهذه الطريقة أو تلك عندما تكون الظروف ملائمة ؟ وسوف تكون ملائمة بإذن الله في مستقبل ليس بالبعيد ، نراه كلنا وقد غدا على مرمى حجر ... وعندما ينام أطفال سوريا بأمن وسلام كما ينام أطفال العالم وتنام الأمهات السوريات مطمئنات على أطفالهن وبناتهن وأزواجهن.
هذا هو سبب الهدوء النسبي المخيف في شوارعنا فلا هو مؤشر على ضعف ، ولا نتيجة احتواء حكومات ، ولا خوف من تهديدات بترك الحبل على الغارب للأسعار والفواتير (أبغض الأسماء على قلوب الناس وعقولهم ) وإعادة العمل بطوابير الإذلال أو بطاقات العبودية التي أفرزتها مرحلة الدفع قبل الرفع ، أو ثقة بمقولة أن الغلاء قد لا يصيب الفقراء فهناك تعويض لهم ،فذاك كلام لا يوصف إلا بأنه فارغ ... مجرب ، وثبت كذبه وفساده.
وهذا هو الواقع ولا يقول بغير ذلك سوى طبقة السلطة ممن يعتقدون فعلا ً أن الأردن دولة وسوريا دولة والعراق دولة والسعودية دولة ومصر دولة واليمن دولة وتونس دولة وليبيا دولة والبحرين دولة ... الخ فما يسمى بالدول العربية ، ما هي إلا وطن واحد ؛ جعلوه دولاً وأوطان ، وذاك منهج من يأخذ الأمور بظواهرها وأشكالها السطحية ، ويؤمن بالقشور على حساب حقائق الأمور ، جعلوها دولا ً كي تكون أشبه ما تكون بحظائر يحشر فيها البشر كالحيوانات يتحكم السلاطين بعلفها ومائها ويجهّزونها لتكون ضحايا معدة للذبح دفاعاً عن كراسيهم.
إن الشعب الأردني ليؤمن ايمانا ً قويا ً بان العرب هم العرب والمسلمون هم المسلمون وأنهم أمة واحدة ، وما الحدود والشكليات إلا أدران طفت على جسد هذه الأمة وعلى هوامش حياتها .... في لحظة ظالمة من لحظات التاريخ . إن شعب الأردن يؤمن كما آمن قادة النهوض العربي أن ما يجري في سوريا الحبيبة يجري في الأردن وما يجري في فلسطين الأقصى والشهادة ، يجري في الأردن ، وما يجري في مصر ، يجري في الأردن ، وما يجري في تونس وليبيا ، يجري في الأردن وما يجري في العراق والسعودية والبحرين ، يجري في الأردن ، بل وما يجري في عربستان وفي جزر أبو موسى والطنب الكبرى والطنب الصغرى وكأنه يجري في الأردن . على هذا أسست الأردن ، وعلى هذا تربى الأردنيون ، فكيف يريد من يريد إذن ، أن لا يصاب الأردنيون بما يشبه الذهول الساكن ، وهم يرون دماء أطفال العرب (أطفالهم) تُسفك بلا سبب ، وبظلم مدعوم من قوى الشر والظلام بشكل واضح . ومن أناس نسوا إنسانيتهم أمام تحكّم الغرائز وأنانية المصالح في نفوسهم وعقولهم ؟ كيف لا يصاب الأردنيون بالذهول وهم يرون حرائر سوريا حفيدات خالد بن الوليد سيف الله المسلول كما سماه رسول الله ، وحفيدات أشراف العرب من أمويين وهاشميين وغيرهم يغتصبن تحت هذه الذريعة أو تلك ، ويُنحر الأطفال في أحضان أمهاتهم ، وتجدع أنوف الشباب وتُفقأ عيونهم وتسلخ جلود وجوههم أمام والديهم قبل الإجهاز عليهم بالقتل ؟؟؟
كيف لا يصاب الأردنيون بالذهول ، وهم يرون على شمال حدودهم شاباً عربياً متعلماً قد نسي أو تناسى إنسانيته وتنكر الى شعبه تشبثاً بمركز رمت به الأقدار اليه صدفة ، دون جهد بذله أو أهلية وضعته فيه ، ولم يأخذ عبرة من تاريخ أمته ، فالقدوة هناك على مقربة منه في حمص ، ولو نظر من قصره العالي وباجهزته الحديثة لرآه بعينه . هناك يرقد بطل من أبطال العرب والاسلام الذي خاض مئات المعارك دفاعاً عن دولة العرب والاسلام .. ولم يهزم في واحدة أبداً . هناك يرقد خالد بن الوليد (أبوسليمان) الذي ما أن جاءه أمر ولي الأمر بأن : إعتزِل القيادة واترُكها لأبي عبيدة عامر بن الجراح في معركة اليرموك (معركته هو) ما تردد أبداً وعزل نفسه ، ليس ليجلس في خيمة القيادة غاضباً بل لينحاز الى صفوف المجاهدين كواحد منهم ، كان بإمكانه أن يشق الصف على ولي الأمر عمر بن الخطاب الذي عزله وهو المؤهل لذلك بقناعة كل المجاهدين معه فهو بطل المعارك وسيف الله المسلول لكنه مع ذلك ، إنحاز الى خيار طاعة ولي الأمر حقناً لدماء المسلمين وأعراضهم .. هكذا يتصرف القائد عندما يكون مؤهلاً للقيادة . نموذج عربي وقدوة ساطعة كالشمس تجاهلها ولي الأمر في سوريا الحبيبة وبدلاً من أن يترك منصبه وقد طالبه شعبه كله بذلك أبى ، فترك جسدها لكل الضواري والغربان تنهشه دون رحمة .. وقعد في أحد أركان الشمال السوري يتفرج عليها بكل سادية مقرفة.
لا رجاء للأردنيين من طبقة السلطة ، سوى أن لا تفسر هذا الهدوء النسبي الظاهري ، وذاك الهم الذي يخيم على رؤوس الأردنيين وأصابهم بالدوار ، على أنه هدوء حقيقي ومحصلة جهود بذلتها طبقة السلطة فأقنعت بها الناس واحتوتهم فسكتوا .. وانها كسبت في الميدان ... !! هذا وهم ما بعده وهم ، فالشعب الأردني بغالبيته الساحقة مشدود بحرقة أخوية الى دماء أطفال العرب في سوريا وهي تُسفك هنا وهناك دون ذنب .. مشدودة لمصيبة أن لا مغيث لسوريا الجريحة ، تماماً كما لم يكن هناك من مغيث لفلسطين التي صارت يتيمة .. ولم تأت الساعة بعد ، التي يتحول فيها اهتمام الشعب الأردني الى شأنه الخاص ، وهو أهون ، واخف الأحمال على قلبه . فلا تزيدوه هماً على همه , ولا تخطئوا الحساب يا طبقة السلطة .. بل ولا تنتهزوا الفرصة وتسرعوا بالعابكم البهلوانية التي تسمونها انتخابات ، في وقت لا مجال فيه للانتهازية ولا لأخطاء التقدير فلا تسرعوا بقيادة العربة بتهور قد ينتهي بنا جميعاً الى قعر وادٍ سحيق . حينها لا يعود مجدياً القول بئس القرار قراركم ، وبئس ما فعلتم ، وما تفعلون ، وما قد تفعلون . يا من حولتم الدائنين الى أسياد علينا . لأنكم كالأب الكسول الفاشل الذي يربي ابناءه بالدين والاقتراض من الناس . والمحزن أنكم تتفاخرون بالحصول على القروض وكأنها " إنتاج " ، مع انها خناجر تغرس تراكمياً بقلوب ابناء هذا البلد الطيب . وهذا ليس بغريب : لأن الاقتراض والإقراض بالدول المتخلفة لا هدف له سوى : دعم ثروات ونعيم وبغددة طبقة السلطة إذا كانت فاسدة .. وهي غالباً كذلك - مقابل زيادة شقاء وبؤس طبقات الشعب الأخرى ودوام تعاستها ، التي لا شك بأنها تستحق ذلك إذا ما صبرت عليه .
أ.د. إدريس العزام








