2026-02-09 - الإثنين
Weather Data Source: het weer vandaag Amman per uur
jo24_banner
jo24_banner

الصلاحيات المطلقة

ا.د. إدريس عزام
جو 24 :

جميل أن يتمتع الانسان، ملكاً كان او رئيساً بصلاحيات مطلقة، (ولا سائل ولا مسؤول). لكن الاجمل من ذلك أن لا تكون له مثل هذه الصلاحيات، ولا يكون متفرداً بالسلطةأو محتكراً لها.فالتخلي عن الصلاحيات، وعن رئاسة كل السلطات، مصلحة شخصية له بالمقام الأول وضمان واستقرار وطني بالمقام الثاني .أن الصلاحيات المطلقة لرأس الدولة بصرف النظر عن اللقب، يضعه بنقطة الوسط بين الشعب من جهة، وطبقة السلطة من جهة أخرى. وهي نقطة تجاذب خطرة وموجعة. فالشعب من حقه أن يطالبه بإصلاح الأحوال إذا فسدت، ومن حق طبقة السلطة حسب مفومها الخاص أن تطالبه بعدم إصلاح تلك الأحوال، لما يترتب على ذلك من مساءلات قانونية ضدها وعقوبات . فإذا تجاهل حق الشعب خاصمه الشعب ،وإذا تجاهل حق طبقة السلطة خاصمته تلك الطبقة وخصومة طبقة السلطة أخطر على رأس الدولة من خصومة الشعب ،لأنها خصومة خفيّة ومبطنة وداخلية ، وخصومة الشعب ظاهرية وعلنية وخارجية والخصم الداخلي أشد خطورة، فإذا ما وازن رأس الدولة بين الأولويات، وجد نفسه مضطراً ان يجنب نفسه الخطر الأشد وهو خصومة طبقة السلطة فيتجاوب مع مطالبها ويتجاهل بقدر ما يستطيع مطالب الشعب وخطورتهم، فالخطر الأشد يدرأ أحياناً بالخطر الأخف . وهذه قاعدة فقهية معروفة بالتراث الاسلامي . ولعل هذا ما يفسر لماذا تأتي تصرفات واستجابات رؤساء الدول وخاصة العربية في حالة حراك الشعوب أميل إلى جانب طبقة السلطة وخياراتها . والسؤال : ما أصل هذه المعضلة؟ وكيف تتشكل وما المخرج منها ؟!!! إن رأس الدولة (أية دولة) ملك كان أو رئيس أو سلطان أو امير تحيط به فئة من المساعدين في بداية الأمر. بمعيار الموالاة المفترضة، ولأنهاتتصرف باسمه وهو مطلق الصلاحيات؛ تصبح مع مرور الزمن ذات نفوذ مؤثر وكاسح، فتتحول إلى طبقة سلطة تعزل نفسها تدريجياً عن رأس الدولة مصلحياً، لتصبح طبقة بذاتها لها مصالحها المستقلة عن مصلحته، بل ومتناقضة في كثير من الأحوال تناقضاً ساكناً مع تلك المصلحة،مع انها أنشئت من الاساس لمعاونته . لكن الأمور لا تتوقف عند هذا الحد بل تتطور إلى ما هو أخطر . فرؤساء الدول يتغيرون لهذا السبب أو ذاك، يذهب القديم ويأتي مكانه جديد وهذا يظل بحاجة إلى من لديهم الخبرة ليقود البلد، فيضطر إلى التعامل مع هؤلاء الذين كانوا معاونين تابعيين لمن سبقوه وبخاصة إذا كانوا صنائع لهم لكنهم مع الجديد تختلف صفتهم. فإذا كانوا مساعدين للسابق، فهم مع الجديد أصحاب رأي ومشورة ، وتعليمات وربما الزام. وهذا دور يقف بعلاقتهم مع رأس الدولة الجديد على حافة الندية، وقد تتجاوزها إلى ما هو أكثر من ذلك وهو ( وهم الاحساس بالوصاية عليه ) وممارسة أدوارهم "كعرابين".


إن هذه الطبقة ليست سهلة ، ولا منعزلة ، فلها بحكم نفوذها ، وسلطتها الفعلية وامتداداتها الاجتماعية قوى داعمة لها ومستعدة لتنفيذ ما تطلبه منها،وقد لا تتوقف امتداداتها عند الاطار المدني بل ربما تجاوزته إلى الاطار العسكري، للتحالف مع شاغلي المراكز القيادية الحساسة بحكم نفوذها، الذي به كان قد وصل بعضهم إلى تلك المراكز ، وبهذا النفوذ قد يفقدها. إذن هي طبقة تستحق أن تؤخذ بعين الاعتبار ولا يستهان بقدراتها على تحجيم حركة رأس الدولة وتأطيرها. ومن حق رأس الدولة أن يحسب لها ألف حساب بمعيار خطورتها الواقعية عليه وليس االافتراضية فحسب . هذه الطبقة هي التي تدير الدولة والمجتمع فعلياً وليس رأس الدولة كما يعتقد الناس ، أو كما قد يتوهم بعض رؤساء الدول المغرورين لأنهم في أحسن الأحوال يديرون الأمور ويصدرون القرارات كما يقال لهم من هذه الطبقة لايتجاوزونه قيد أنملة.

وقد يتساءل البعض، لماذا لا يتخلص رأس الدولة من هؤلاء الخالدين أو أن يستبدلهم بغيرهم إذا كانوا بهذه الخطورة؟؟!!!والسؤال وجيه، لكنه مطلب صعب إلى حد الاستحالة تنفيذياَ .وإذا حدث واستبدل راس الدولة بعضهم فلا يستطيع واقعياً تغيير الكل واستبدالهم. فتكرار ذلك يعني عودة البلد إلى نقطة الصفر في كل مرة، وهذا مأخذ على وزراء العرب الذين ما إن يجلسوا على الكراسي حتى يشطبوا أعمال من سبقهم وازلامهم. وينسب البعض لهذا السلوك حاالة التخلف الاداري السائدة اليوم وضعف الانجاز، لغياب التراكمية المعرفية والفنية ؛ وإذا كان ذلك سهلاً على الوزراء، فهو بالنسبة لرأس الدولة قد يكون فوق طاقته بل هو كذلك في غالب الأحيان.

كل ما سبق، يبقى بحدود المألوف والعادي، إذا كانت الدولة صالحة؛ لكنه يصبح مشكلة رأس الدولة أولاً إذا فسدت الدولة وشاع التذمر الشعبي وفشا الفساد وعمت مظاهرة لترى بالعين على شكل فساد إداري ومالي وسياسي وقضائي وتشريعي وتربوي ...الخ لأن الشعب يصبح في هذه الحالة في حالة تناقض مع الدولة سرعان ما يتحول إلى صراع، كما تجري عليه أحوال الشعوب العربية اليوم بدول الربيع العربي وتلك المنتظرة لذلك الربيع. وإن صراع الشعب في حقيقة الأمر إذا وقع هو مع طبقة السلطة وليس مع رأس الدولة .الذي لا يعقل أن يخطط إذا كان عاقلاً ، لأن يفشل في رئاسة دولته وادارتها أو أن يعمل قاصداً كي يغضب منه الشعب أو يثيره عليه . لكن طبقة السلطة قد تفعل ذلك، لأنها قد تعتقد أنها مغطاة بمن فوقها إذا كان مطلق الصلاحيات. وقد فعلت ذلك في الماضي وتفعله في الحاضر .في كثير من دول العالم التي ثارت فيها الشعوب على طبقة السلطة واسقطتها وتلك التي في طريقها الى الثورة على حالة التفرد بالسلطة بحكم الصلاحيات المطلقة

في هذه الحالة يظهر للجميع،وخصوصاً رأس الدولة، خطورة أن يكون(شامل الصلاحيات) كما هو الحال في الدول العربية التي تتعايش مع أنظمة سياسية غير محددة المدة والصلاحيات بصرف النظر عن المكتوب في دساتيرها لأن هذا المكتوب الرائع نظرياً مهمل في الواقع التطبيقي. فرأس الدولة يصبح الهدف لنيران الطرفين في حالة الهيجان الشعبي ، نار الشعب ونار طبقة السلطة نفسها. فالشعب أو جزء منه على الاقل قد يَعْتبر (شامل الصلاحيات) هذا هو المسؤول عن كل تخريب، وطبقة السلطة تعتبره آمرها الوحيد وهي المأمورة المعذورة المنفذة لأوامره حتى حصل ما حصل : وترافق ذلك بتهديد مبطن أو علني بأن لا يتركها لمصيرها لأنه الشريك أو السبب الأول ولن تكون هي كبش الفداء إذا ما أراد أن يقدمها لإرضاء الشعب ولن ترضى بذلك وسوف تقاومه . وهنا يكمن الخطر الشخصي على رأس الدولة وتتجلى أزمته بأقسى صورها فيقف عاجزاً عن تلبية مطالب الشعب .فيصبح كالمربوط بين حصانين يتجاذبانه باتجاهين متعاكسين،وهذه طريقة اعدام مغولية معروفة لأهل التاريخ . ولا يظل أمامه سوى الحيلة والخداع، وعدٌ هنا وكلمة هناك، هروب الى الأمام أحياناً وإلى الخلف أحيانا أخرى . والحصيلة هي أن لا إجراء يمكن أن يأخذه ليرضي الشعب حتى يهدأ خوفاً من طبقة السلطة، فتسير الأمور نحو الهاوية في نهاية المطاف ولا سبيل لتفادي هذه النتيجة لأن الشعب إذا ما كسر حاجز الخوف من السلطة (كما كسره في معظم الدول العربية اليوم) ؛ خرج إلى الشارع وإذا خرج لا يعود، وإذا عاد(استثناء) فلن يعود كما كان قبل الخروج ولن يتوقف قبل نهاية الشوط. على هذا يجمع علماء السياسة والاجتماع؛ وإلى هذه النتيجة تؤدي الصلاحيات الشاملة، فكيف نتفهم منطق المدافعين عنها ؟؟!!!

نعود لحكاية الصلاحيات المطلقة والشاملة في الاردن فنقول كان يمكن أن لا يحدث ما يحدث ، وأن لا يجد جلالة الملك نفسه بمثل هذا المأزق لو لم يوافق أن يضعه الأردنيون في دستورهم رأساً لكل السلطات . ظاهر الأمر خير والنية حسنة، ومقتضيات ماضي سلف، لكنه بواقع الحالة شر، أو هكذا صار اليوم ، حتى وإن كان في الماضي غير ذلك. بل إن النية في الاساس ربما لم تكن حسنة أو هكذا يمكن أن تفهم اليوم ؛ ليست نية كل الاردنيين ؛ بل نية من كانوا يعرفون وخططوا للاستثمار في صلاحيات الملك آنذاك. وقد فعلوا واستثمروا ولولا تلك الصلاحيات الشاملة لما صار من حق أحد أن يطلب من الملك شيئاً او أن يتهمه بشيء فيظل فوق الشبهة ، ورمزاً للوطن كله ، وعامل استقرار للوطن وصار كل من دونه من مفردات طبقة السلطة مفردات متغيرة، يحاسب من يخطئ، ويكافأ من يبدع.بهكذا أجواء تتحدد المسؤوليات ولا تستطيع فئة مهما بلغت من السطوة والنفوذ أن تحمل رأس الدولة أوزار ما صنعته أو تصنعه عندما عملت أو تعمل على تخريب البلد.


ومن حولنا نأخذ مثالين :بشارحافظ سليمان أحمد الوحش (المكنى بالأسد) في سوريا على ما ذكر أحد كبار الدبلوماسيين الامريكيين في كتابه (اختبار بشار الأسد بالنار ) قال : ان بشار هذا كان راغباً في اصلاح ديمقراطي حقيقي وفعلاً فكر وحاول تغيير طبقة السلطة(صنائع والده) لكنه اصطدم بجدار فولاذي سميك حيث لم يسمحو له بذلك. ولم يغير سوى قله لا تزيد عن 11 شخصاً من الآف المتنفذين المزمنين. وبالتالي صار قدره أن يسحبوه إلى مصيرهم كانت لديه رغبة في بداية الثورة في التخلي عن كثير من السلطات وحتى السلطة كلها من أجل سوريا وقد لمس جلالة الملك منه هذا الاستعداد عندما قابله وذكر ذلك في "أحد تصريحاته لكنه لم يستطع وكان الأمر فوق طاقته.

وفي مصر، بدأ مبارك دولته زاهداً بالمال والسلطة وقد عبر عن ذلك بقوله في أحد خطاباته بأن"ليس للكفن جيوب" وأفسح مجالاً ليس قليلاً لحرية الصحافة والاعلام وغيرها من الحريات الشخصية ... لكن طبقة السلطة لم تصبر عليه طويلاً فاخترقت حتى حياته الشخصية وعزلته عن مجريات أحوال البلاد ، ومع مرور الزمن خلقت من ورائه شرخاً أسرياً فأبعدت زوجته وأبناءه عن إطار نفوذه وسيّرتهم في مسرب مخالف لمسرب الرئيس رغم علم هذه الطبقة بخطورة ذلك .ولم يرف لها جفن لا على الرئيس ولا على الوطن .صبرت مصر على ذلك كثيراً إلى أن صار حديث الكبير والصغير في الشارع وهم يرون أبناء الرئيس يتصرّفون كملاّك لمصر وزوجته كوالدة للرئيس الوريث ومن حولهم مفردات طبقة السلطة. فكان أن ثارت مصر على ذلك ، وألقت بالجميع في السجون . هذه امثلة ومثلها كثير توضح ان المشكلة دائماً في مثل هذه الأحوال، هي مع طبقة السلطة ومن صناعة هذه الطبقة ، أما الملك أو الرئيس فهم ضحايا أفعال هذه الطبقة مثلهم مثل الشعب سواء بسواء. وهذه ظاهرة لا تنشأ إلا في حالة الصلاحيات الشاملة والمطلقة لرأس الدولة .

وعليه: فمن منظور هذا التحليل ، فليس من المتوقع إذن ان تقدم طبقة السلطة في الأردن أية تنازلات، أو أن تتسامح مع أية تنازلات قد يبديها رأس الدولة من أجل الأردن؛ ما دام الصراع محتدماً بينها وبين القوى الشعبية الفاعلة ، ولم يصل إلى نتيجة بعد و لانرى في الافق بوادر انفراج سلمي مرغوب فيه للأزمة الأردنية الراهنة فشروط هذا الانفراج واستحقاقاته مازالت بعيدة المنال لأنها تقع ضمن ما تستطيع طبقة السلطة حتى الآن أن تمنعه من جهة وانها فوق طاقة الملك الواقعية من جهة أخرى. وعما قريب سيجد المطالبون بالإصلاح أنفسهم وكأنهم يطلبون من طبقة السلطة ما لا تقبله ، ومن الملك ما لا طاقة له عليه فتقتصر أفعال طبقة السلطة على اجراءات تكتيكية ستنظر اليها القوى الشعبية الفاعلة ، على أنها غثاء لايسمن ولا يغني من جوع ، فلا يكون هناك سوى أن تندفع الأمور بين الطرفين لتنزلق باتجاه الكارثة، وأول مؤشرات هذا الانزلاق سيكون نجاح هذه القوى الشعبية من اسلاميين وغير اسلاميين في حشد أعداد من الجماهير لا يختلف اثنان على أنها هائلة ، وقد بدأ العمل بذلك كما نلاحظ ونعتقد بأنه ممكن . وعندها سوف تسقط الورقة الأخير التي تلوح بها طبقة السلطة عندما تقول بأن المعارضين الأردنيين هم قلّة فإذا ما ثبت أنهم كثرة؛ فماذا سيكون الجواب؟سيما أن العالم كله لا تثير اهتمامه كثرة حشود الموالين فليس لهؤلاء مشكلة ، بل حشود المعارضين فقط. فهؤلاء هم مشكلة الدولة لهم مشاكل معها يطالبون بحلها . ويكفي أن يرى العالم الداخلي والخارجي أن ما يحتشد تحت هذه الغاية هو حشد كبير بصرف النظر عن الأرقام والنسب، هذا إذا ما علمنا أن الدولة لا ينبغي أن تنزل إلى مستوى منافسة مكون من مكوناتها من حيث القدرة على الحشد، فذاك سلوك لا أخلاقي . لأن الدولة هي الأقوى والأقدر على الحشد ، وهذا معروف ولا يحتاج الى براهين . لكنه ليس هاماً في هذا المقام وأهم منه كثيراً أن لا يحتشد ضدها آخرون، بحشد كبير فقط ، ولا يشترط أن يكون الأكبر.

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير