الرئيس المكلف والثقة المتأرجحة
يبدو ان منهج العمل الذي اتبعه الرئيس المكلف د. عبد الله النسور وتصوراته لما يتوقع منه الآخرون كانت كلها بعيدة عن الواقع. (أقصد الواقع الاردني النسبي) فالملك ومعه (طبقة السلطة العميقة) ربما لا يكونوا بحاجة – كما هو معروف - الى رجل خارق للعادة، حتى يتخلون عن صلاحياتهم ومسؤولياتهم وسلطاتهم المعتادة ويفسحون المجال له ليصول ويجول على هواه وارادته الشخصية؛ لأنه ذكي فقط!!!
فرئيس الوزراء الأردني سواء كان ذكياً او متوسط الذكاء ليس له أن يتجاوز سقوف اطار لا يؤمن القائمون على حراسته حراسة سرمدية ؛ بأن الذكاء (الخارق للعادة) هو الأساس في حساباتها عندما تُنتدب هذه الشخصية الاردنية او تلك لموقع رئيس الوزراء، بل الاساس لذلك هو (كما جرى عليه العرف) الأمل في أن يُتقن المُنتدب اللعبة ويمر بالسفينة بأمان بقدر الامكان دون ان يستفز احدا،أو يثير أحدا،أو أن يستخف بنفوذ آخرين هم صناع القرار الفعليين ضمن طبقة السلطة العميقة.
عندما يقول الملك مثلاً : أن حكومته ستكون برلمانية ، لا ينبغي للحظة الاعتقاد بان الملك بعقليته الحداثية الشابة مقتنع بأن الأردن بظروفه (المضادة للحزبية والتحزب حتى اليوم) هو مؤهل بالفعل لمثل هذا النوع من الحكومات !!!! أو أنه يمكن أن يكون كذلك في مستقبل قريب!!! لكن الناس يريدون ان يقال ذلك فقط .... ونقطة ... يبقى دور الرئيس وكل الجهات المعنية هو اخراج هذا القول بطريقة تنم عن ذكاء حقيقي.... لا بطريقة تبدو فيها جرعة الاستخفاف بادية للعيان، سواء بذكاء الناس نواباً وشعباً او اجهزة امنية وحكومية مسؤولة!!!
ما نراه أن منهج الرئيس قد ابتعد عن ذلك فكانت الحصيلة سلبية تتمثل :
أولاً : غضب شعبي عارم ضده ، بعد ان صار بنظر الناس وكأنه معادياً لهم في أعماقه..... بدليل أنه ما أن جلس على الكرسي وحقق مصلحته الشخصية وطموحه الشخصي! حتى فتك بالناس بأن فرض عليهم الفقر فوق فقرهم المزمن دون أن يرف له جفن.
ثانياً : الاصطدام المحتمل مع الملك ومصالحه... على اعتبار أن من يغضب الناس من الطبيعي والمتوقع ان يغضب الملك ،أو يصطدم معه ليس كشخص بل كصلاحيات وواجبات دستورية ما زالت فاعلة، وآفاق للنفوذ السياسي يشترك في تحديدها مع طبقة السلطة العميقة، التي ما زالت لا تنظر لأي رئيس وزراء أردني على انه زعيم شعبي جاء محمولاً على أكف الرجال الى منصبه؛ بل هو مجرد شخصية عادية جيء بها لهذا السبب او ذاك، على أمل ان تنجح في أن تلعب الدور ، دون اثارات وزوابع ،ودون نحت في السراب لزعامة شخصية عبر الايحاء للناس وكأن صناع القرار في البلد قد تخلو عن مسؤولياتهم وأحالو انفسهم على التقاعد الاختياري، وصاروا جلوساً في مقاعد المتفرجين،بمجرد ان جلس الرئيس المكلف على كرسي الرئاسة!!!!هكذا فهم الناس، وبهذا يتحدثون!ّ! فهل هذا صحيح؟؟
ثالثاً:إن ادعاء الرئيس الاستقلالية بالقرار عن أي جهة أو أجهزة بعد ان صار فوقها (وفق تصوراته) وانها تابعة له، وانه لا يتلقى توجيهات من احد أو جهة ، الا من قناعاته الشخصية بحكم ولايته العامة على البلد ، يؤكد ما قلناه من جهة .... ومن جهة اخرى فمثل هذا قد لا يمر (حتى ولو كان صحيحاً) دون أن يترك حساسياته وآثاره السلبية على مشاعر كل أولئك المستهدفين به ، الذين هم ما زالوا صانعو قرار ورجال فعّالون.
رابعاً:إن المشاورات النيابية المبالغ فيها دون فائدة نتجت عنها، فيما يخص تشكيل الحكومة ، وتجاهل النواب ، وحشرهم بزاوية التأمل والرجاء بالمستقبل بهدف الاضعاف ، ربما يُفهم على انه نوع من الضحك عليهم وابتزازهم، فإذا شعروا بذلك فربما لا يكونوا ايجابيين معه عندما يطلب ثقتهم.
خامساً وأخيراً: على مستوى الأداء الفعلي لم يكن أداء دولة الرئيس ناصع الايجابية والبياض حسب قناعة الناس. فهم يتساءلون في الشوارع والدكاكين والمضافات والدواوين ، وسراداقات الافر اح والاتراح فيما إذا كان هناك حكومة أم لا؟ولماذا أخرج دولته الوزير الفلاني الكفؤ، واحتفظ بفلان غير الكفؤ حسب شعور الاردنيين جميعاً؟ولماذا تُعطى وزارتان خدميتان توأمان لشخصيتيين من فئة اجتماعية قرابية واحدة ولم يعرف انهم عباقرة في الميدان، بل انهم مجربون ومن المساهمين بواقع الحال الاردني بحدود ما يقدرون عليه؟؟ تلك خطوة ما سبق ان ارتكبها رئيس حتى في أعتى مراحل توزيع المناصب بالمحاصصة ؟؟؟؟ لماذا تراجعت شوكة الدولة في الرقابة على غذاء الناس ودوائهم ؟؟ وما السر في الصمت المريب عن مستوردات يشيع الحديث عن فسادها؟؟؟ ولماذا قلّت الكبسات على المرافق الخدمية والصحية؟ ولماذا قلّت العقوبات مع ان المخالفات على صعيد المستوردات ومستوى الخدمات قد زادت؟؟هذه تساؤلات تدور على ألسنة الاردنيين من شمال البلاد الى جنوبها .
نخلص الى القول بأنه للمرة الأولى بتاريخ الاردن الحديث قد تلتقي مصالح الشعب ، ومصالح النواب، ومصالح طبقة السلطة العميقة ، ومصالح الأجهزة الحكومية والأمنية النافذة وقوية التأثير ؛ على إسقاط حكومة الرئيس المكلف بحجب الثقة عنها...... ربما ليس لأن أخطاءها كبيرة جداً لا تغتفر؛ بل لأن دولته قد ساعد على خلق الفرصة لأن يكون في ذلك درساً للاعتبار لغايات التواضع والتزام الحدود مستقبلاً ، سيما أن طبقة السلطة ماهرة في اقتناص مثل هذه الفرص ، ولا تحفظ من القصص القرآني كما تحفظ قصة كبش اسماعيل.
هذه نتيجة حتمية حسب موروثنا السياسي الذي نعرفه جيداً !!! لكن رغم ذلك تظل هناك فرصة للنجاة ( فرصة الساعات الأخيرة) إذا ما استجدت ظروف جديدة كالتوبة مثلاً (شريطة أن تكون قبل بلوغ الغرغرة) ولو بساعات، لتخرج بعد ذلك رؤية تقول: بأن لا مانع من التدخل لضمان الثقة للرئيس المكلف ،بحدها الأدنى مراعاة لخصوصية الظرف الطارئ الذي تعيشه البلاد، ولأن الأمر كله حسابات شخصية بحتة وليست موضوعية، وان اسقاط الحكومات عادة، يكون اسقاط لبرامج وليس لاشخاص، وليس للرئيس برنامج ولا لحكومته، وان من يسقط الحكومات نواب تمثيلهم للشعب ليس محل خلاف ، وليس كل أعضاء مجلس نوابنا هكذا ، بل وليس لجميع النواب برنامج يقيمون على أساسه الحكومة حتى يحكمون فيما اذا كانت تستحق او لا تستحق .
في مثل هذه الاجواء تظل هناك فرصة لنجاة الحكومة من السقوط، حتى ولو كان ذلك حتمياً بمعيار الاسباب الموجبة له وفقاً للخصوصية السياسية الاردنية.








